يضيق الوقت ويتسرب العمر عبر دوائر الزحام، وهي تتسع وتتسع، بدءا من زحام الأسرّة المتراصة، المتصالبة والمتراكبة في الغرف الضيقة والأدوار الضيقة، وانتهاء بالخطى المتعثرة والأرصفة السائبة، حين تُبتسر المسافة ويتحول الكون إلى سرير حافل بغبار التعب.
زحام في قاطرات الأفكار المعطلة وهي تتصفح الشيكات الراجعة والفواتير المؤجلة والإنذارات الأخيرة، التي تسربت من شق الباب، ومن تقطيبة الناطور، وابتسامة المالك، وفجاجة الصراف الآلي.زحام في الفسحات الترابية وأنت تبحث عن ركن لسيارتك دون جدوى، وتبحث عن مكان مخالف دون جدوى، بعد أن اشتدت حمى العقارات والبنايات التي تزرع أساساتها في المساء، وتُشطّب في الصباح وتغص بساكنيها في الظهيرة.
زحام في الأبنية التي التهمت كل مساحة متاحة قبل أن تهدأ فورة الأسعار الهائجة، ولافتات على هياكل الأعمدة والأدوار التي تعدك بإطلالة نادرة على البحيرة، وحمام للبخار يمسح عن جسدك حر الظهيرة القائظة وعن رأسك صدمة الأسعار، وحلول يائسة في السكن المشترك والجمعيات المشتركة والأحلام المشتركة.
زحام في منطقة الرولة، وشارع العروبة، أيام العطل وراحة الجسد والبال، حين تتجمع الحشود وتتراص الجاليات.. هنود، أفغان، باكستانيون، يتبادلون الأحاديث الكثيفة والتحيات الخالصة، تحت أشجار الرولة الوارفة.
وظلالها التي تمسح العرق بالنسيم العليل، ويحتشدون قرب مقهى تتصدره شاشة تلفاز تسرّب رائحة الأهل وحكايا الأحبة، حشود بشرية تأكل العين والأذن، في صخب حميم في الزوايا والساحات، على الأرصفة وفي المقاهي الخارجية، حشود آهلة بالتعب، ترتشف الشاي بالحليب والشاي كرك، وتتهامس بحصيلة الأسبوع وطرائق التحويل الأكثر وفرة.
وزحام في الطرقات السريعة البطيئة، اختناق في السير وفي الشهيق والزفير، ومحاولات فاشلة في تصيّد الطريق السالك والنفق السالك وأنت تراقب ركام الآليات الساكنة المتحركة، وهي تتقدم شبراً شبراً، وشبكة من الأعصاب المشدودة والقوى الخائرة تجمع بين جسر القرهود ونفق الشندغة.
ودوار الملا بلازا، في موجة التأخر عن العمل، والزحف عند الأنفاق المختنقة، والدوارات المختنقة والإشارات التي تومض بلمح البصر. أنفاق، جسور، ومسارات متعاكسة في الطرقات السريعة، وسيل من المعادن المتحركة في حركة ذهاب وإياب، تنتهي ببحث يائس تركن فيه.
وتبدأ بحركة يائسة تنتظرك فيها (الحركة الساكنة) في الطرقات الهاي واي، وأنت تقلب الراديو على البرامج الخفيفة، والأغاني الخفيفة متنقلاً من حال إلى حال دون أن تبرح مكانك، ودون أن تنجح خفة دم المذيع وتساليه، من نقلك على موجته العالية. كل هذا وأنت تراجع حساباتك، وتسريحة شعرك، وربطة عنقك، وابتسامة ساحرة تمر بها على زملاء عملك الأنيقين، في مكاتبهم الأنيقة.

