كثيراً ما تصطبغ المكتبات في البيوت بنظرة ديكورية، أو بركن يؤدي دوراً تكميلياً لقطع الأثاث والوجاهة الشكلية. ويبدو هذا جليا عندما نرى تنويعة من الكتب تحتوي على مرجعيات ضخمة ذات الأجزاء المتعددة. فمن الصعب التصديق ان القراءات تنحصر في الموسوعات فقط.
وفي حال وجود أناس يتعاملون مع المكتبات المنزلية بوصفها رافداً ثقافياً ومعرفياً يتداخل مع طقوس الأسرة اليومية، فإن النظرة المتوقعة والسائدة لهؤلاء هي أنهم من ذوي الميول الأدبية والفكرية، مهما كان تباين الأعمار والمهن والدراسة المدرسية.
صحيح ان هناك مكتبات متخصصة تساعد أصحابها على إثراء خبراتهم المهنية مثل الهندسة والطب والفلك والاقتصاد، إلا انه من المثير حقا ان نعثر على مكتبة تحوي نوعا من الفنون ارتبط في أذهان الغالبية بالموهبة المحضة دون رافد خارجي يقوم على «تخديم» هذا الفن «تصميم المجوهرات».
وهذا ما وجدناه في منزل عزة القبيسي التي أبدت سعادة كبيرة وهي تقدم مكتبتها، وكأنها تعرفنا على أحد أفراد أسرتها القريبين من قلبها.
وعشق عزة القبيسي للكتب بدأ منذ الصغر في أجواء يرعاها أب لا يتوانى لحظة واحدة عن اقتناء الكتب في حله وترحاله. لكن بذرة هواية الرسم أخذت تنبت في خيالها.
ولم تشأ أن ترتمي في أحضان الخطوط، الألوان قبل الاطلاع على تجارب أساتذة حفروا باقتدار مشهود فنون الرسم، فاستقبلت أعمال مونيه ومانيه وفان جوخ كضيوف كرام بوسعهم تقديم العون لأصابع مرتعشة تبحث عن مستقر، هذه الأنامل التي وجدت ضالتها أخيرا في عالم المجوهرات والأحجار الكريمة.
من هنا بدأ طوفان الكتب يجتاحها، فأخذت تقتني كل ما هو محرض ومحفز وقادر على صقل الموهبة والتجربة. صادقت الكتب وتصفحتها في دأب حتى تعثر على آفاق وآمال تزيد من رفاهة وقع أصابعها على المعادن النفيسة.
وتعترف عزة بمرارة بأن المكتبات العربية لم تسعفها كثيرا في تلبية حاجاتها من مراجع تقدم فنون صياغة المجوهرات.
وكأنها تجيب على حيرتنا من أكداس الكتب الأجنبية.. قدمت لنا في غمضة عين أحد هذه الكتب لتدلل بطريقة عملية على التقصير العربي الحاصل في هذا المجال، فكان كتاب «المجوهرات ـ المفهوم والتكنولوجيا» لمؤلفه «أوبيي».
ومع ذلك لاحظنا وجود بعض الكتب التراثية العربية مثل ألف ليلة وليلة، حيث تطير معها بأجنحة رحيبة تحلق مع ثراء الشخصيات وطراوة الأشعار وطلاوة اللغة. هذه الأجواء العبقة استطاعت عزة القبيسي أن تضفرها مع روحها المحبة للأصالة والرصانة.
حتى أن بيتاً شعرياً واحداً للشاعر السعودي خالد الفيصل «يا ضايق الصدر بالله وسع الخاطر» استحوذ على أصابعها ذات مرة، بينما كانت تقوم بتصميم خاتمين تربطهما سلسلة طويلة.
حيث أحست بخاطر يشاركها معنى ما تنجزه. ربما حبها للصحراء والبحر جعلها حريصة على ترصيع مكتبتها بذاكرة عربية تختزن كل ما هو ملهم وموح لإبداعها وتصاميمها.
وعقب كل سفر طويل تعود القبيسي مليئة بشوق عارم للمس كتاب معين.. تهرع إليه، تتفرسه وكأنها تطمئن عليه.. لذلك تغضب بشدة عندما لا تجد الكتب في مكانها المعتاد. والكتب القصصية لها أولوية قصوى من هذا الحنان والشغف، لأنها تضخ ذاكرتها بالحيوية، وتمدها بعنفوان العودة إلى عالمها الفني المحبب.
عدد غير قليل من كتب المجوهرات جاءها عبر أصدقائها سواء بالإهداء أو لأنهم يمتلكونها ويرون أن مكانها الحقيقي عند صاحبة هذه المكتبة، فهي حارس أمين وساهر حنون على قيمة هذه الكتب.
وتحريك الكتب من مكانها يحدث مرة واحدة في السنة، حيث يتم تبادلها وتوزيعها بين المنزل ومعملها الفني، ويحدث ذلك غالباً لصالح ما يحتاجه المعمل لإنجاز مشاريعها الفنية.
والمقربون من عزة القبيسي يحسدونها على مكتبتها القيّمة، ويرون أنها محظوظة بوجود أبيها المتيم بعالم المجوهرات والأحجار الكريمة، فهو صاحب النبتة الذي علّم ابنته كيف تسقيها بروحها، وبكتب جعلت المجوهرات قصائد غير مسطورة.
مجدي أبو زيد
