حسن شريف ظاهرة أثارت الكثير من الجدل وقوبلت بالكثير من الرفض والهجوم، وحققت انعطافات حاسمة في بنية الوعي الجمالي، ليس في الإمارات فحسب، بل في الخليج العربي بشكل عام. ذاكرته هي ذاكرة المكان حين اكتسب أبعاداً جديدة.

وأشرع على جهات جديدة، ابتدأ تجربته مع بداية تحول المجتمع الإماراتي في السبعينات، وما زال حتى الآن، يبحث عن المغايرة والكشف، وتقصي المفاهيم الجديدة، التي أحدثت تغييراً نوعياً في طبيعة الحياة الثقافية والاجتماعية.

وفي تلقي الفنون المعاصرة وكيفية إنتاجها. سيرة حسن شريف، عاصفة، وهادئة ومتأنية وعميقة الخطى، استطاع عبرها أن يؤسس جيلاً من المبدعين الذين آمنوا بإبداعاته وكتاباته، وتأثروا بشخصيته الإنسانية العميقة والمرهفة، وبصلابته التي لا تلين تجاه الدفاع عن مشروعه الإبداعي والتنظيري.

ولتقصي أغوار حسن شريف، والتعرف على زوايا خارج دائرة الضوء التقينا بعض الذين رافقوا سيرته وعايشوا همومه، واشتركوا معه في التأسيس للبنية الثقافية والإبداعية التي نراها الآن في المشهد الثقافي المعاصر.

في لقاء هادئ، بدأ حسين يتحدث عن شقيقه، ماراً بالمرحلة الدراسية التي قضاها في مدارس وثانويات دبي، والتي تبلور فيها شغفه الفني وبحثه المتواصل عن أساليب جديدة للتعبير.

معتبراً أن طريقته التهكمية ورؤيته الساخرة للأشياء تجسدت في رسوم الكاريكاتير التي ظل ينشرها لفترة طويلة منذ السبعينات، في مجلة «النصر» التي كانت تصدر آنذاك، وفي مجلة «أخبار دبي» التي سبقت تأسيس «البيان».

وكان يرسم في جريدة «الوثبة» في أبوظبي وفي جريدة «صوت الأمة» في الشارقة، وكل هذه الجرائد أغلقت، وكانت لحسن صفحتا كاريكاتير أسبوعياً، نقل من خلالهما حسّه النقدي لكثير من الظواهر الاجتماعية والثقافية.

وأضاف: إن حسن أقام معرضاً شخصياً من أعمال الكاريكاتير عام 1967 في مكتبة دبي العامة، على خور دبي، وإنه بدأ منذ تلك الفترة في كتابة المقالات النقدية مع جريدة «البيان» وجريدة «الخليج»، وكان واضحاً امتلاكه رؤية خاصة في النقد.

وتحدث عن مشاركاته الفنية الدائمة واشتغاله الجاد على تطوير الحراك الفني ودوره في تأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية التي كانت النواة لاستقطاب المهتمين بالفنون عام 1980.

ثم تحدث عن ذهاب أخيه حسن إلى لندن لمتابعة تحصيله الدراسي، وعودته بعد حصوله على دبلوم فنون جميلة في مدرسة بايم شو للفنون، واطلاعه هناك على العديد من المفاهيم الجديدة وأساليب التعبير المختلفة التي تقاطعت مع قناعاته، وساهمت في تجذيرها وتعميقها.

ويرى أن بعض إسهاماته في تطوير الرؤية النقدية للعمل الفني كانت بتغيير مفهوم المصطلح النقدي وتأكيد الكثير من المصطلحات الجديدة التي نقلها حسن إلى حيِّز التداول النقدي الدقيق.

وعن حضوره المستفز للذهنية التقليدية وأعماله المثيرة للجدل، تذكر حسين معرض «اليوم الواحد» الذي أقيم عام 1985 في السوق المركزي في منطقة «المريجة» والذي جمع بين حسن شريف وعبدالرحيم سالم، وكان حسن قد ثبَّت مجموعة أوراق على الأرض تحوي رسومات لمربعات وخطوط وأرقام،.

وكانت نوعاً من الفن النظامي الذي لم يكن مألوفاً بعد، وقد قوبل المعرض بهجوم حاد وعنيف تصدَّر صفحات الجرائد، واستمر مع تأسيس جماعة «أقواس» التي يعود اسمها إلى عمل فني لحسن هو عبارة عن أغصان متشابكة.

وبعد ذلك تم إصدار نشرة «رماد» وتوالت النشرات المختلفة، التي تحمل رؤى وتصوُّرات جديدة كنشرة «أشلاء الأرانب القزحية» ثم نشرة «رؤى» ونشرة «النوارس».

وساهم في كتابة هذه النشرات مبدعون وشعراء وكتاب، كان لهم الدور الأكبر في تكوين المشهد الثقافي الإماراتي، وإحداث النقلة النوعية فيه.

ويختم حسين حديثه عن حياة حسن اليومية الهادئة والتي يقضيها بالعمل الجاد والحثيث، في إنتاج أعماله الفنية وأرشفة نفسه والعناية بحديقة منزله الصغيرة وفي تقديم وتحليل أعمال الفنانين الشباب الذين يتصدرون اليوم، مشهد الفنون البصرية داخل الإمارات وخارجها.

ابتدأ محمد كاظم في الحديث عن تجربة حسن شريف، انطلاقاً من توصيف المشهد الاجتماعي والثقافي العام في السبعينات قائلاً:

كانت أغلب المجموعات الفنية تعمل بشكل انفرادي في الدولة، خارج إطار المؤسسات.

أثناء ذلك كان حسن شريف يمارس رسم الكاريكاتير، وينتج اللوحة الفنية، وأثناء دراسته في الخارج أنتج مجموعة من أعمال (الفن النظامي) و(فن الأداء الجسدي).

وبعض الأعمال التي تنتمي إلى الفن المفاهيمي، وبعد عودته من لندن وفي ظل غياب الأكاديميات والمناهج الفنية في المدارس والجامعات بدأ يشرف على مرسم جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، إلى أن أسس المرسم الحر في دبي عام 1984. ويضيف محمد كاظم: في تلك الأثناء التحقت بالمرسم.

وتعرفت على حسن شريف، الذي كان له طريقة خاصة واستثنائية في التدريس، بعيداً عن الهيمنة والتدخل في أسلوبية الطالب الخاصة ولذلك خرج معظم الطلاب الذين درسهم حسن شريف بأسلوب مستقل.

وكان حسن شديد العناية بالجانب الفكري والنظري، فقد كان يقوم بتزويد الطلاب بالمراجع الفنية والفلسفية، وكان يربط قراءاته الفسلفية والأدبية بالعمل الفني، وقد ترجم حسن شريف العديد من المقالات المهمة عن (مارسيل ديوشان، ييفك لاين، مارسيل بروثو، بيرو فنزوني)، بالإضافة إلى إصداره للعديد من الكتب: (الفن الجديد)، و(مفهوم الفن) و(آلات حادة لصنع الفن).

وأغلب هذه الكتب هي مقالات لحسن شريف كان قد نشرها في جريدتي الخليج و«البيان» منذ بداية الثمانينات، ويرى محمد كاظم أن حسن شريف لو استمر في الغرب لحاز شهرة أوسع من ذلك.

ولتجنب موجات الهجوم والمقالات الجارحة التي وقفت ضد آرائه في التجديد والتطوير، لكنه استطاع أن يصل بالفنون في الإمارات إلى هذا المستوى نتيجة إيمانه الكبير بفنه ومن خلال دعم إنتاجه الإبداعي من خلال الكتابة والبحث المستمر.

يواصل محمد كاظم حديثه بحماس شديد، ويوضح أن حسن شريف هو أول فنان بدأ في التجريب في منطقة الخليج العربي، بالإضافة إلى أنه استطاع أن ينهض بالتجربة الفنية في الإمارات، وهو أكثر الفنانين إنتاجاً.

ويضيف كاظم بأنه خلال تجربته مع حسن التي امتدت إلى عشرين عاماً كان ومازال وثيق الصلة بكل تطورات المنجز البصري في العالم، وأنه قد استطاع أن يلعب دوراً لم تستطع المؤسسات الثقافية أن تقوم به.

أما عن نظرته التهكمية، فيرى كاظم أن هذه الصفة هي إحدى مميزات أعماله، وهي تعكس رؤيته النقدية، وهو حريص على تفكيك المسائل وإعادة صياغتها من جديد وحريص على ممارسة دوره الاجتماعي والتاريخي مع مجموعة المثقفين والمبدعين الذين شكلوا وسطه الحيوي وهم «نجوم الغانم، خالد بدر، علي العندل، وغيرهم من الأشخاص الذين آمنوا بضرورة تغيير المفاهيم الجمالية والإبداعية».

ويتحدث كاظم عن البعد الإنساني والروحي لحسن شريف، فيراه قادراً على امتلاك آلية دقيقة للتواصل مع الآخرين وجدانياً وذهنياً، جعلته مع آخرين يتأثرون بحسن وأفكاره التي لولاها لكانت تجربته وتجربة الكثيرين ـ على حد تعبيره ـ قد اختلفت.

كما يرى أن حسن شريف يلعب أدواراً عدة في المعارض والتظاهرات الفنية تجعله يختلف عن أي قيم في الشرق والغرب، فحسن يكتب ويحرر وينظم المعارض ويشرف على الأدلة، ويتابع كل الأشياء الأساسية من ألفها إلى يائها.

يتوقف محمد كاظم، يلتقط أنفاسه، ثم يتابع: حسن شخص بسيط جداً ويعيش الحياة بكامل تفاصيلها، ومن جهة أخرى صارم جداً ولديه موقف ورؤية تجاه العالم لا يقبل المساومة عليها، وله حسابات دقيقة في الحياة والموت، لذلك نراه منكباً على أرشفة وتوثيق أعماله وكتاباته بشكل دقيق.

ثم ينهي محمد كاظم حديثه بعبارات حميمة وصادقة قائلاً: حسن شريف تجربة نادرة في الخليج العربي والوطن العربي، وقيمة كبيرة يجب الالتفات إليها بالمعنى التاريخي والاجتماعي والإبداعي.

اسماعيل الرفاعي