جاءنا صوتها دافئاً ومرحباً ليؤكد لنا أنها بانتظارنا، لكننا عندما وصلنا إلى مقر الشركة، ودخلنا إلى المكاتب بحثنا عنها، ولم تسعفنا المقاعد الخالية بإجابات شافية، هل أخطأنا المكان؟ هل غادرت لظرف طارئ؟

أسئلة تبادلها معي زميلي المصور عماد علاءالدين واتفقنا في النهاية أن نتريث قليلاً، جلسنا في قاعة الاستقبال، وعبر الزجاج الشفاف ترصدنا حركة الممر الخارجي نبحث بين الوجوه عن وجهها، لابد أنها ستأتي من الخارج، وبالتحديد من هذا الباب الذي انفتح ببطء شديد، ثم دلفت.

وهي تمد يديها متحسسة الفراغات، تجاوزت غرفة الاستقبال وأخذت طريقها إلى الداخل مرحبة بنا، ودعتنا إلى متابعتها. المسافة بين الباب الخارجي ومكتبها ليست قصيرة، كما انها ليست مستقيمة، ومع ذلك قادتها عين البصيرة إلى ركنها الهادئ، على يمينها جهاز الهاتف، وأمامها جهاز الكمبيوتر، ومن حيث تأتي الأصوات، تدور مبتسمة لتوزع الإجابات بروح متفائلة.

عواطف أحمد أكبري، نموذج جديد ومتجدد ومثال للفتاة المكافحة، تحدت فقدانها لنعمة البصر فأضاءت بصيرتها بواطن القوة في شخصيتها، أنهت الثانوية العامة في مركز المعاقين بدبي، ثم التحقت بجامعة الإمارات ودرست في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى أن تخرجت ودخلت معترك الحياة المهنية.

عن طفولتها تقول عواطف: عودت نفسي على أن أمتثل للأمر الواقع، ولدت كفيفة، نعم، وأصبح الأمر بالنسبة لي طبيعياً، تأقلمت مع الظروف، وكوّنت صداقات مع زميلات مبصرات وأخريات كفيفات، والقاسم المشترك بيننا أننا متفوقات، لعبت في طفولتي مثل أي طفل.

ولم أشعر في يوم من الأيام أن شيئاً ينقصني، إنها مسألة قناعات أولاً وأخيراً، بل على العكس، إن مسألة التفوق وإثبات الذات في ظروف استثنائية ترفع من قدرنا مقارنة بالأسوياء الذين لا يحققون شيئاً يذكر، ومع انني حققت الكثير والحمد لله، وراضية عن إنجازاتي، إلا أنني أطمح للمزيد، وان الذي يذوق طعم النجاح مرة تراه متطلعاً إلى نجاح آخر، وأنا من هذا النوع الذي لا يقف عند نقطة محددة.

عند هذه النقطة استوقفنا عواطف لنسألها عن المكفوفين بشكل خاص، وهل هم مطالبون على طول الخط بأن يكونوا متفوقين؟ تلتقط عواطف أنفسها ورتبت أفكارها لتبدي وجهة نظر منطقية، إذ تقول:

الأمر ليس بهذه الحدة، فالكفيف إنسان بالدرجة الأولى له ما له وعليه ما عليه، حاله حال الأسوياء، والتفوق يأتي في ظروف اجتماعية وبيئية مناسبة، والحالة الاجتماعية بما فيها الظروف الاقتصادية تأتي في المقدمة كعامل نجاح، ثم إن الأمر يتوقف على الإنسان نفسه، فهناك من يتغلب على إعاقته ويبذل مجهوداً مضاعفاً ليصل إلى الهدف المنشود، وهناك من يستسلم للأمر الواقع ليظل على الهامش دائماً، ويستسيغ شفقة الناس عليه.

وبالنسبة لمسيرتها التعليمية توضح عواطف كيفية إكمال دراستها الجامعية، فتقول: لقد ولدت كفيفة، ولذلك تعلمت استخدام طريقة «برايل» من السنوات التأسيسية، وكانت المراحل الابتدائية إلى الثانوية عادية إذ درست في مركز دبي للمعاقين، لكن المرحلة الجامعية اختلفت كلياً.

واحتجت إلى مساعدة شقيقتي التي كانت تملي علي المساقات باللغة العربية وأنا أكتب، وكانت تسجل المحاضرات وأقوم بتفريغها، أما المساقات باللغة الإنجليزية فكنت أعتمد على مرافقة تجيد اللغة الإنجليزية، وكانت تكتب المحاضرات وتسجلها، كذلك كان التعاون بيني وبين الطالبات في السكن.

وكن متعاونات إلى أقصى درجة، وبعد أن تخرجت من الجامعة التحقت بدورة في الكمبيوتر واجتزتها بنجاح، وعملت بعد ذلك في مدينة دبي للانترنت موظفة بدالة براتب شهادة الثانوية، لكن بعد عشرة أشهر فقط تم اختياري ضمن عشرة مرشحين لجائزة برنامج الأداء الحكومي المتميز.

وقد كرمني صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وأمر بترقيتي ونقلي إلى إدارة مركز الاتصالات. وتستطرد عواطف مسيرتها المهنية قائلة: بعد أقل من عام جاءت فكرة مشروع «تمكين» لأكون مديرة قسم التدريب.

ورحبت بالفكرة لأكون أول موظفة في مركز «تمكين» لتأهيل وتوظيف المكفوفين، ونحن نقوم بتنظيم دورات في اللغة الإنجليزية والحاسوب إضافة إلى المهارات الحياتية التي يحتاجها الكفيف للقيام بوظيفته، ولدينا الآن مشروع رخصة قيادة الحاسوب وهو مشروع قيد التنفيذ.

عز الدين الأسواني