رغم سنوات عمره التي دنت من السبعين، إلا أن علي عبدالله سرور الشحي لايزال يتمتع بحيوية الشباب وروحهم المرحة، مع ذاكرة متقدة ذكية تؤرخ الأيام والأحداث، وتدرك جيداً أهمية الماضي والحاضر في صناعة المستقبل.
سنوات طويلة أمضاها العم «أبو سرور» كما يحب ان نناديه وهو يجدل حبال صبره وكفاحه مع الأيام والظروف، لربط شباك صيد السمك والسعي وراء لقمة العيش قبل ان يلتحق ويعمل في أحد المشافي لفترة، ثم في احدى شركات النفط ويتفرغ نهائياً لجدل الحبال من ألياف النخيل المنتشر في الفيافي والواحات.
هي المهنة التي ورثها عن أبيه وهو صبي ابن الثماني سنوات، من رأس الخيمة الى دبي يقطع العم أبو سرور يومياً المشوار، مواظباً على الحضور وتقديم مهنته ماضياً وهوايته حاضراً أمام الجمهور الذي يتابع ويسأل ويعجب للإتقان والصنعة الواضحة رغم بدائية الأدوات والطرق.
ـ يستخرج الليف من كرب النخيل ويخلط مع «العذق» أي الغصن ويدق ليتماسك ويسمى «غضف» بعدها يلين عبر دعكه وفركه باليدين حتى يصبح حبالاً جاهزة للاستعمال لأغراض شتى، اذ تستخدم في صناعة الخيم والعرش حسب نوعية وطريقة جدل الليف، فالحبال الخشنة تستخدم في صناعة الخيم والحصير، والناعمة تدخل في صناعة «المخرافة والجفير والمزما» إلى جانب القش لصنع أطباق وأدوات تستخدم في الحياة اليومية.
ـ العم أبو سرور لا يكتفي بالكلام وهو الذي اعتاد ربطه بالأفعال لذا قام باختيار قطعة من الليف وفركها معتمداً على ساقه في اللف حتى تتحول الى خيط طويل حسب حاجته، يقوم بتقطيعه الى قسمين ثم يعمد الى فركه بكلتا يديه بطريقة محترفة ينجدل معها الحبلان الرفيعان، ليتحولا الى حبل واحد متماسك، بديع الصنعة والتكوين.
ومع أن هذه المهنة تبدو سهلة للوهلة الأولى، إلا أن محاولة محاكاتها وصنع حبل صغير تبدو صعبة للغاية... وهذا ما حاول فعله الشاب.
يقدم لنا العم علي سرور الشحي القهوة العربية والرطب وهو يستريح قليلاً متذكراً الأيام الخوالي، حين كان يقطن في «دبا» ويزور «دبي» مطلعاً على حركة التجارة والسفن فيها، قائلاً:
ـ رغم بساطة الحياة في تلك الأيام وعدم وجود وسائل ترفيه ومغريات كثيرة فيها، إلا أن روح التعاون والمحبة كانت واضحة في جميع مناحي الحياة.. صحيح إننا كنا نعمل من الصباح حتى المساء ونتعب كثيراً، إلا أننا كنا نشعر بالسعادة والرضا ولم تكن هناك كل هذه الأمراض كضغط الدم والسكري وأمراض القلب.. ربما لأننا كنا نعمل كثيراً ولا ندع مجالاً للمرض كي يتسلل إلى أجسادنا.
ونقطع حديث العم علي سرور ونسأله: إن كان يعاني من أمراض محددة فيجيب باسماً: «الحمد لله.. لم أصب طوال حياتي بأي عارض، باستثناء ضغط الدم الذي هاجمني في السنوات القليلة الماضية من كثرة ما أشاهده من شباب هذه الأيام...!
استوقفتنا جملته الساخرة هذه، وقبل أن نسأله، أضاف متابعاً: «في أيامنا كان السمك بأنواعه، المطبوخ والمشوي والمجفف إلى جانب الرز والتمر طعامنا الأساسي، في حين يطيب لشباب هذه الأيام أكل الهمبورغر والبيتزا وشرب الكابتشينو.
لذلك أشعر بالحسرة وأنا أرى الشباب يبتعدون شيئاً فشيئاً عن تراث آبائهم وأجدادهم وقد حاولت مراراً أن أعلم ولدي وعمره 14 عاماً هذه المهنة، لكنه لم يتجاوب معي وفضل البقاء في المنزل على مرافقتي ومساعدتي.
ويختم العم أبو سرور حديثه بالقول: أما أخواتي البنات فلا يزلن يعملن في مهنة «السفافة» (صناعة القش) وكلما أزورهن أشعر بالحنين إلى الحياة الجميلة وأنا أراهن يصنعن السلال والمكبات والجفر.. كلك أختي الوسطى لا تزال مواظبة على صناعة الحبال، ولكم أن تتخيلوا مدى سعادتي وفرحتي ونحن نجلس معاً نتبارى فيمن يجيد جدل الحبل بطريقة أفضل.
أنس الأموي