بريطانيا كانت أولى الدول التي خرجت بها الرمحي من دائرة الوطن الحميم، ولأنها ابنة الأرض والنهر، فقد انشدت بكامل أحاسيسها للون الأخضر وامتداداته الحنونة في الريف الإنجليزي بكل إيقاعاته التي تعزفها الطيور ومياه البحيرات في حضرة الهدوء الشاعري.

ومع ذلك يصعب على منتهى كما تقول، غض الطرف عن العراقة التي تتوشح بها بريطانيا، خاصة مبانيها ذات الأحجار البنية والغامقة حد السواد، فهي تشعرها بأن الزمن «مر من هنا» تاركاً حكايات لا تمحى، الأمر الذي يهيج أشجانها صوب بيوت الأردن بأحجارها البيضاء.

بين غلطة البريطانيين وإنسانية الأميركيين تناول الحوار مع منتهى وضع أميركا بالصدفة في مقارنة مع بريطانيا حيث ترى أن أميركا تتمتع بخلطة سكانية متعولمة تماماً.

وهو وضع يشبه الى حد كبير إمارة دبي، ورغم انها بلد ذات طابع اسمنتي بأبراجها وناطحاتها إلا ان أهلها يتصفون بحس إنساني راق وهو ما استشعرته عندما كانت حاملاً في شهرها التاسع، وترى الرمحي ان البريطانيين لديهم طباع غليظة وشعور متعال تجاه الغرباء فهم غالباً لا يسعفون من يتعرضون للمآزق.

وأشد ما لفت انتباه منتهى في زيارتها لهولندا مساحات الزهور التي تكاد ان تغطي مواقع الأقدام حتى انها لم تلمح أي رصيف من كثرة الورود المتناثرة بألوانها البديعة.

ويأتي حديثها عن البلاد العربية التي زارتها وهي كثيرة، لكن ثمة ما يستحق الذكر والمتأمل في كلامها، فرغم حبها لبيروت لكنها انزعجت من مأساة الطرق هناك حسب تعبيرها، حيث الفوضى التي تعم الشوارع وخطوط سير السيارات المرتبكة وحالات العصبية الموجودة في تصرفات الناس وهو ما أرجعته الى الأحوال السياسية والاجتماعية التي تعيشها بيروت، نفس الارتباك موجود في شوارع القاهرة لكنها ترى ان اكتظاظ السكان يسمح لقاهرة المعز بالأعذار.

شوارع القاهرة مزروعة بالضحك

وللقاهرة مكانة خاصة عند منتهى لأنها مدينة تعشق السهر ولا تعرف النوم وهو ما يرضي مزاجها الذي يتواءم مع الفة الشوارع المزروعة بضحكات الناس ونكاتهم التي لا تنضب رغم المواجع الاقتصادية والاجتماعية.

وعن غيرة المصريين على تاريخهم تروي الرمحي انها خلال زيارتها للأهرامات قالت للدليل السياحي انه لا يوجد ما يسمى ب«لعنة الفراعنة» وان كل ما في الأمر ان الإنسان الذي يدلف الى دهاليز الأهرامات يتعرض لمشاكل صحية بسبب كثرة الأغبرة.

وعدم تجدد الهواء، الأمر الذي أثار استياء المرشد، معتبراً ان كلامها «طعنة في التاريخ»، تود منتهى لو طال بها المقام في القاهرة بسبب حبها اللامحدود للصخب الممتد في كل شرايين المدينة.

حيث ترى ان الصخب هو المعنى الحقيقي للحياة، وتحرص مذيعة العربية على تجسيد القاهرة في ذاكرتها عبر اقتنائها للجلابيب ذات الطابع الشعبي المصري، فضلاً عن المنحوتات الفضية والنحاسية التي تزيد من شوقها لحواري وأزقة القاهرة.

أما صنعاء عاصمة اليمن السعيد فقد تركت مبانيها المنحوتة في الجبال نصوصاً تاريخية في مخيلة «منتهى» حتى أنها كانت تقتني بعض الأحجار التي تشبه «الكوارتز» لكن عتابها الوحيد على أهل اليمن هو أن الحياة تتوقف تماماً في أوقات «تخزين القات»، هذه السكتة الحياتية لم تجد لها مبرراً خاصة لو كان الأمر يتعلق بمصالح السائحين وزوار المدينة.

وتدق القدس أجراسها في ملامح «منتهى» حين تبدأ الحكاية نشيدها من جذورها الفلسطينية، هذه المدينة التي لا ترتوي منها أبداً حتى انطبق عليها قول الشاعر:

«ظمآن والكأس في يديه». زهرة المدائن لا تذبل في ذاكرة «منتهى» فهي عاصمة القلب وأيقونة التاريخ التي تقول عنها: «إنها لم تفقد رونقها رغم الاحتلال الإسرائيلي، فهي مدينة عصية على النسيان، والسفر إليها يعني تجديد اسمها بين ثنايا الروح.

وعن فوائد السفر والحكمة التي استقتها «منتهى» من رحلاتها قالت: لقد استفدت كمذيعة من تغطية المؤتمرات، رغم اكتشافي أن البيان الختامي لأي مؤتمر صار روتيناً ومعروفاً مسبقاً، لذلك لا يهمني كثيراً حضور المؤتمرات أما الحكمة فقد وجدتها مع كل إقلاع للطائرة حيث أجد أن الأشياء تتلاشى أمام عيني.

وأن البشر والمباني الكبيرة والقصور يجب أن لا تساوي شيئاً في صراعات الإنسان على الأرض، يكفي أن تشاهد الصحارى الشاسعة لتعرف مدى سذاجة البشر حين يتحاربون على قطعة أرض صغيرة.

وتختم «منتهى» حديثها بعشقها للمطارات قبل المدن حيث ترى وجوهاً مختلفة وجنسيات كثيرة، وتحركات لا تحصى ولا تعد وكأن العالم اختزل أمامك في هذه المساحة المحدودة، فهي عالم قائم بذاته.