رغم مرور ما يقارب قرناً من الزمان على إنشائها، إلا أن جدرانها لاتزال تفوح برائحة الأيام الخوالي، ورغم أعمال الترميم التي طالت تفاصيلها، إلا أن أبوابها ونوافذها لاتزال تحمل بصمات الأيادي الصغيرة، لاتزال هناك على الرمال آثار الصبية .

وبعض لهوهم، لاتزال الأصوات تخالط زقزقة العصافير في الصباحات الباكرة، وان دققت للحظة لربما رأيت حقائبهم الصغيرة منزوية في ركن بانتظار انتهاء حصة الالعاب أما إذا كنت من أصحاب الحس المرهف فأنت لاشك تشاركهم حصة اللغة العربية وتردد معهم ما يقوله المعلم.

المدرسة الأحمدية، صرح شاهد على بداية الحركة التعليمية في إمارة دبي، تنتصب بخيلاء وسط السوق القديم، محتفظة بأسرارها العتيقة، ومحتضنة صور من علموا وتعلموا فيها، صور من تخرجوا من فصولها محملين بالمعرفة وحافظين للقرآن.

البداية

أنشئت العام 1912 وأسسها الشيخ أحمد بن دلموك واضعا حجر أساسها، لكنه توفي قبل أن يكتمل البناء فقام من بعده ابنه الشيخ محمد بن أحمد بن دلموك بإتمام البناء وأسماها المدرسة الأحمدية نسبة إلى والده، واستقدم المدرسين من منطقة الاحساء بالسعودية وهم الشيخ عبدالعزيز بن حمد آل مبارك وابناه الشيخ عبدالله والشيخ عبداللطيف.

كان مشايخ العلم هؤلاء يدرسون الدين واللغة العربية، كما درّس فيها نخبة من المدرسين من منطقة الزبير في العراق ومنهم الشيخ عبدالله بن عبدالوهاب الوهيب، والشيخ أحمد العرفج، والشيخ ناصر المنصور.

وكانت الدراسة مجانية في المراحل الأولى، وفي مراحل لاحقة كان أبناء الأغنياء فقط يدفعون رسوماً رمزية، أما غير المقتدرين فقد كان الشيخ محمد بن أحمد بن دلموك يدفع بالنيابة عنهم.

في العام 1937 قامت حكومة دبي بتمويل المدارس وأسندت مسؤولية إدارة المدرسة إلى شيخ العلم محمد نور بن سيف، وكان من مدرسي فترته أيضا حسن بوملحة ومحمد بن ظبوي ومحمد بن علي بن دعفوس وغيرهم، وعندما تحول التعليم بالمدرسة العام 1956 من شبه النظامي إلى التعليم النظامي تولى زهدي الخطيب إدارة دائرة المعارف وكان هاشم أبو عمارة أول مدير للمدرسة.

ومن أبرز وأشهر الطلبة الذين درسوا في المدرسة الأحمدية الشيخ عبيد بن جمعة آل مكتوم، وأحمد بن محمد بن عبدالسلام، ومحمد نور بن سيف الذي عمل مديراً فيها في فترة لاحقة، كذلك درس فيها ثاني بن راشد المطروشي وراشد الهاملي ومحمد بن ماجد الفطيم وناصر عبداللطيف السركال وحمدان بن عبدالله بن أحمد بن دلموك وغيرهم الكثير من طلبة تلك الفترة.

ومرت المدرسة الأحمدية بعمليات ترميم قام بها قسم المباني التاريخية ببلدية دبي في العام 1993 وشملت عمليات التدعيم وخاصة للأجزاء المنهارة والأماكن الآيلة للسقوط مثل الأسقف والأعمدة، ثم جاءت مرحلة تدعيم الأساسات باستخدام أحجار صلبة ومادة «الصاروج الرابطة» .

وهي عبارة عن طين محروق يستخدم كعازل للماء، وأخيراً تم ترميم الجدران بإزالة الكسوة القديمة للكشف عن حالتها، واستبدال الأجزاء المتآكلة منها، وملء فراغات الحجارة المرجانية والجص.

ومعالجة الشروخ باستخدام أخشاب «الصندل» لربط طرفي الجدار، كذلك تم تدعيم الجسور والعتبات، وإزالة الكسوة تحت أخشاب الصندل واستبدلت الأخشاب المهترئة بأخرى جديدة.

وقام سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم بافتتاح مبنى المدرسة بعد الانتهاء من أعمال الترميم العام 2000، وآلت إدارتها لدائرة السياحة والتسويق التجاري في أبريل العام 2000.

تلك معلومات تاريخية تحكيها الصور والشهادات الدراسية المعلقة على جدران الفصول، ولكن يبقى الإحساس بالمكان له طعمه الخاص، كأن تستحضر الماضي لتكون جزءاً منه، طالباً تركض في فناء المدرسة وتسبق الزملاء لتشرب أولاً من إحدى الجرتين الفخاريتين.

أو معلماً تحتسي الشاي في غرفة المطبخ، أو مطوعاً تلوح بعصاك في وجه من لم يحفظ سورة مقررة، أنت في المكان وفي الزمن المعتق، تزيح الغبار عن الذاكرة وتستحضر الطفولة بحروفها المتلعثمة، أنت في الفصل الدراسي على مقعد في آخر الصفوف، تتدثر بالطاولة هرباً من سؤال غامض، أنت في أول الصفوف ترفع يدك وتستبق الإجابة.

تخرج من غرفة فصل إلى آخر، تأخذك الصور إلى أختام قديمة، وحروف خطت باليد دالة على عظمة الأسلاف وحسهم الرفيع وتذوقهم لفن الخط العربي، أنت هناك مع صور لأساتذة وطلاب تخرجوا من بين جدران هذه المدرسة، نتمنى ان يعود بك الزمن بالفعل لتعاصر ذاك الجيل، ربما.

وربما تأخذك صورة أخرى في غرفة المدير فيقشعر بدنك من رصانة الصورة وهيبتها، لابأس، أنت رهن احساسك وأرشيف ذاكرتك الطفولي، فالمكان ثري بالتفاصيل، تحتاج إلى وقت بعدد سنوات عمرك حتى تكتشف ما وراء الجدران.

وتسمع همس النوافذ والأبواب، إن غرد طائر فوق البارجيل، فبامكانك ان تستشف من تغريده ضحكة تلميذ فرح بنجاحه، وإن رفرف جناح عصفور فربما ترى شهادة في يد آخر ترفرف بين أصابعه.

هكذا هو مبنى المدرسة الأحمدية، زخم من المشاعر والاحاسيس الدفينة، الأحاسيس المخبأة في الأسقف وخلف الجدران، تتلمس الآثار وتقتفي رائحة العابرين من هنا إلى خضم الحياة العملية، علماء ورجال أعمال حفروا أسماءهم وكتبوا ذكرياتهم عبر الزمن، لتطوف الأجيال الجديدة حول الحرم التعليمي للأسلاف.

وليتأمل الباحث في وجوه المطّوعين الذين بدأوا المسيرة وأخذوا على عاتقهم مسؤولية وضع البذرة الأولى للعملية التعليمية، أجواء تاريخية تحيط بالزائر وكأنه في حلم جميل يتمنى ألا ينتهي، فإذا جاءت ساعة المغادرة هبط شعور على الأجساد، وكأن القلب مغادر ليستبقي لحظة من لحظات الماضي العتيق.

عز الدين الأسواني