بين المكان الساكن وصورته المتبدّلة، وبين المرايا العاكسة للحقائق الجديدة والمدن الجديدة، تنشأ جمل من الإشراقات التي تنبعث من الشمس اللاهبة لتتبرد في شاشات البلازما والمكاتب الفارهة. هكذا ترتسم صورة دبي، وأنت تغادر مطارها للمرة الأولى، وتمضي لتتعرف على شكل المدينة التي رسمت خارطتها الأصابع المنسابة على مفاتيح التقانة.

والتي تجمع تحت مظلتها القارات الخمس بلكناتها وأطعمتها وروائحها وطقوسها الخاصة.. ولتمضي في رحلة البحث عن الثروة وتنامي الحنين وانتظار فرصة العمر المعلقة على رأس أحد الأبراج، أو في أحد المكاتب التي تصبّ الأفكار في سبائك الذهب.

ولتنشأ المقاربات والمفارقات بين سفينة نوح التي ضمت بين دفّتيها كائنات الخليقة وهي تبحث عن أرض جديدة، وبين المعسكر الذي تختفي فيه الألوان والقسمات تحت قبعات العمل الموحدة.

هنا تحاول دبي أن تشكل أسطورتها، عبر عمارتها التي أوشكت على نماذج زهاء حديد، وعبر هندسة التفوق والسوبر، اللصيقة بمدن الانترناشيونال، والتي تفتح سواحلها للسفن التي تحمل بين دفتيها آلة الانتقال عبر الزمن.

هنا تحتاج إلى إسقاط جميع علامات الترقيم وإشارات الاستفهام، إن كنت تبحث عن نص مقارب لدبي. تحتاج إلى كتابة عمودية تتسلق الحواضر الجديدة، التي تشبه سلالم النجاة المعلقة في الفراغ.. الحواضر المشيّدة بالمعادن المقاومة للرطوبة والصدأ، والأحلام المقاومة للخيبة والانكسار.

هنود، عرب، باكستانيون، أوروبيون، بؤرة مركزة للجنسيات والأعراق والأديان. كل يحاول أن يفصد في قلبه ذاكرة الحنين، ومن عروقه رائحة المدن التي عاش بها لحظة الكسل والحب والحلم، وهو يبحث عن الوسيلة التي يفصل بها عربة الفقر عن ظهره المقوّس، أو الوسيلة التي يوسع بها امبراطوريته الباذخة.

دبي تمنحك تذكرة الحلم حتى وإن فاتك العرض، امبراطورية المال، هندسة ما بعد الحداثة ومغناطيس الطاقات الزائدة والأحلام الزائدة، والحواس الزائدة. بوصلة الاتجاهات المتصالبة والحواس الخمس، اختبار لما كنت ولما يمكن أن تكون عليه.

إسماعيل الرفاعي