عبدالله المطيري، اسم معروف في مجال التراث منذ توليه إدارة بيت الشيخ سعيد سنة 1995،و رغم أن دراسته الأكاديمية بعيدة كلياً عن التراث ومتخصصة في مجال إدارة أعمال ، إلا أن شغفه بالتراث والتاريخ منذ الصغر جعله يختار مجال التراث مهنة له من خلال إدارته للبيت ووضع الخطط التطويرية له .
وهذا لم يمنعه من مزاولة هوايته في تجميع المسكوكات الإسلامية والتي تعود للعهود الإسلامية الأولى، سواء كانت ديناراً أو درهماً أو جنيهاً أو سواها من العملات الأخرى النادرة التي يتم الحصول عليها من خلال المزادات العالمية في لندن وباريس .ولمعرفة المزيد عن هذه الهواية القيمة والتي تكلف صاحبها ثروة كبيرة كان لنا هذا اللقاء مع الأستاذ عبدالله المطيري.* كيف كانت بداية تعلقك بالمسكوكات القديمة؟
ـ متنهداً.. كان ذلك في عمر الشباب وأذكر أنني كنت من قراء مجلة الشبكة والموعد وكنا نتبادل في ركن الأصدقاء الطوابع البريدية والعملات المتداولة.
وقتها تنامت بداخلي هواية التجميع، ومع مرور الوقت اكتشفت أن تجميع العملات المتداولة ليس بالأمر الفريد حتى ارتطمت قدمي ذات يوم بمسكوكة تحمل اسم السلطان فيصل بن تركي سلطان عمان ومؤرخة بـ 1318 هجري وقتها غمرتني سعادة لا يمكن وصفها وشعرت أني امتلكت أقدم عملة في العالم ، وبعد فترة قصيرة عثرت على قطعة فضية أخرى تعود لسنة 1781 هجري ومنذ تلك الفترة تغيرت حياتي وكأن القدر قد خطط لي ذلك!
بدأت في عام 1985م أراسل كبار هواة المسكوكات في العالم واقتني الكتب المتخصصة في هذا المجال حتى تكونت لدي قناعة مفادها أن المسكوكات القديمة نافذة غنية على التاريخ ومن خلال أشكالها والكتابة المحفورة عليها ونوع المعدن المستعمل، يمكن قراءة التاريخ القديم ،عندها قررت أن استغني عن جمع العملات الحديثة وأبدأ بهواية حقيقية.
ومن خلال مطالعاتي اهتديت الى التخصص في المسكوكات الإسلامية فقط، والتحقت بدورات متخصصة في مجال دراسة المسكوكات من الناحية التاريخية والفنية وتنامت صداقاتي في المنطقة والعالم بفضل حرصي على حضور المزادات العالمية والانخراط في دورات متقدمة في أوروبا وأميركا.
* كيف تصف مجموعتك؟
ـ بعد أكثر من عشرين سنة من التنقيب والبحث تكونت لدي مجموعة مميزة من حيث الكم والنوع واستطعت أن أغطي كل النقود التي سكت في فترة الدويلات الإسلامية التي كانت قائمة منذ الخلافة الراشدة والأموية والعباسية والدويلات التي انفصلت مروراً بالخلافة العباسية وصولاً الى الخلافة العثمانية.
وبعدها اتجهت شرقاً الى الهند وجمعت أغلب المسكوكات الإسلامية في الهند، أثناء عصر الدويلات الإسلامية وامتلك حوالي 14 ألف قطعة لأكثر من 95 أسرة إسلامية حكمت العالم الإسلامي بدءاً من الأندلس غرباً الى كاشغر شرقاً.
* بكم تقدر قيمة هذه المجموعة؟
ـ بالنسبة لي لا تقدر هذه المجموعة بثمن، لكنها تساوي 22 مليون درهم تقريباً والعديد من أصدقائي ينعتونني بالجنون، لأني أنفق مبالغ طائلة على هوايتي دون تقتير وأنا مقتنع بأن هذه الهواية هي رسالتي في الحياة، ولا تتصوري مقدار سعادتي لحظة حصولي على قطعة جديدة نادرة، وقتها أشعر بأني قد امتلكت التاريخ.
ولذلك أقول للناس الذين يصفونني بالجنون بأن «عبدالله» يجمع التاريخ بين أصابعه وليس الذهب والفضة، وكنزي لا يُقدّر بثمن ولا يعرف قيمته إلا المولع بالتاريخ ومعرفة الشعوب القديمة.
* كيف تنامت عندك موهبة التعرف على القطع المزيّفة؟
ـ للأسف توجد عصابات منظمة تعمل في هذا المجال، وتحديداً من بعض الدول العربية، لذلك قبل أن أدخل هذا المجال حصّنت نفسي بدورات متقدمة في بريطانيا وألمانيا، في كيفية دراسة القطعة من حيث التدقيق في الخطوط والتاريخ والمعدن المستعمل وأمور أخرى كثيرة تكشف التزوير.
ومع مرور الوقت أصبح لديّ القدرة على اكتشاف ذلك من خلال الملمس والنظرة الدقيقة، وهذا بشهادة كبار العلماء وأنا خبير في المسكوكات الإسلامية وعضو الجمعية البريطانية للمسكوكات، إضافة إلى أني معتمد من أكثر من شركة مزادات في العالم.
* ما هي أطرف المواقف التي تسببها لك هوايتك؟
ـ مبتسماً.. أطرف شيء حصل لي، أن زوجتي تعتبر كل مسكوكة جديدة تدخل المجموعة هي ضرّة لها، كوني مولعا بالقطع وأقضي 60% من اليوم مع مجموعتي بين التفقد والترتيب ولا أتركها إلا في أوقات الصلاة وأحياناً أصطحب بعض القطع في جيبي أثناء الصلاة.
ومن المواقف الطريفة أني في أحد الأيام كنت وزوجتي نحتسي فنجاناً من القهوة فاندلق على ثيابي لأني قمت بفحص القطعة التي كانت في يدي بفنجان القهوة، وهناك مواقف كثيرة حصلت لي والجميع يعلم أن مجموعتي كأولادي وهي تعني لي الكثير في حياتي.
* ماذا أضافت لك الهواية؟
ـ علّمتني أن أقرأ التاريخ بعيون مختلفة، وزادتني علماً ودراية بتفاصيل دقيقة موجودة في المسكوكات الإسلامية كانت غائبة عن المؤرخين ولأن المسكوك في تلك الأيام لم يكن عملة تجارية فقط، بل كان بمثابة وزارة للإعلام والتسويق للدولة والحاكم.
ويمكن قراءة الملامح السياسية والثقافية والاجتماعية والتعرف على الخلافات التي كانت سائدة وأسبابها وأطراف الخلاف وجوانب كثيرة من التاريخ التي كانت مخيفة، لذلك أقول إن العملة هي المرآة الحقيقية لمعرفة الحضارات الإسلامية، تمكننا من التعرف على القوة العسكرية لها .
وسبق أن ذكرت أن دور العملة أيام زمان تعدى مسألة التبادل التجاري، ويعتبر بمثابة وزارة متكاملة تصدر المراسيم ويشرف الخليفة بشكل مباشر على اختيار نوع المعدن، الوزن، الكتابة، الخط، ومن هنا تكمن أهمية السك الإسلامي.
* هل يوجد اهتمام عربي بالسك الإسلامي؟
ـ للأسف جميع مصادري التي حصلت عليها هي كتب أجنبية وتحديداً باللغة الإنجليزية، ونادراً ما تجد اهتماماً عربياً لأن علم المسكوكات وتحديداً تجميعها يحتاج إلى دعم مادي كبير، لكن هذا لا يمنع أن أكبر مجموعة نقدية في العالم موجودة في قطر، وهذا يعكس اهتماماً متزايداً بالثقافة.
* ما هي الدعائم الأساسية لنجاح الهواية؟
ـ الموضوع يختلف من هواية لأخرى، لكن الأكيد أن هواية تجميع المسكوكات الإسلامية تحتاج إلى ثلاثة أشياء، مال قارون، صبر أيوب، عمر نوح.
* ما هي أندر قطعة في مجموعتك؟
ـ لديّ درهم فريد في العالم، سُكّ في مدينة السلام سنة 195 هجرية، في بداية الخلاف التاريخي الذي نشب بين الأمين والمأمون بعد مبايعة الأمين لابنه موسى وعمره لم يكن يتجاوز خمس سنوات، وعزل أخاه المأمون، بالإضافة إلى الكثير من القطع النادرة، وعن نفسي اعتبر أن كل قطعة نقرأ من خلالها التاريخ هي كنز ثمين.
* ما هي أغلى قطعة اشتريتها؟
ـ قطعة فضية حمدانية تم سكها في 353 هجرية، ودفعت حوالي 150 ألف درهم، وتعتبر من القطع النادرة جداً في العالم، إضافة إلى قطع أخرى نادرة.
* هل تجد عناءً في الحصول على العملة؟
ـ لا أخفي عليك، أني في بداية مشواري مع التجميع والبحث بذلت جهداً كبيراً، وأنا أتنقل بين الدول وأركض على المزادات علّني أحصل على قطعة جديدة نادرة، ولكن حالياً اسمي «ولله الحمد» أصبح معروفاً في هذا المجال والقطعة هي التي تبحث عني، سواء من خلال الاتصالات أو الدعوات التي تصلني لحضور المزادات العالمية والمعارض التي تعنى بهذا المجال، وهذا لا يمنع أني استمتع بالبحث عن القطعة ودراستها.
* هل فكرت في تجميع كل ما لديك؟
ـ لديّ خبر أخص به ملحق مرايا، وهو أن حكومة دبي متمثلة في بلدية دبي سوف تمنحني مقراً دائماً ليكون متحفاً خاصاً بالمسكوكات الإسلامية باسم دار المطيري للدينار والدرهم الإسلامي، ليكون شاهداً على التاريخ ولكي يتمكن الجميع من الاستمتاع به.
* هل تعرض مجموعتك للبيع؟
ـ هل يوجد إنسان عاقل يعرض أولاده للبيع؟ بالتأكيد لا، وأنا أعتز بالعمل الذي قمت به وسوف أحرص على المحافظة عليه في حياتي.
* هل لديك معلومة دقيقة عن تاريخ السك في الجزيرة؟
ـ على ضوء الدراسات، تمّ أول سك في عمان الكبرى سنة 81 للهجرة، بعد ضرب دمشق وتعتبر المسكوكات من نفائس النقود، ولم يثبت السك في قطر والإمارات وحتى في المملكة العربية السعودية ، إلا أن السك تم في جنوب المملكة تحديداً في عسير.
أمينة عماري

