عندما نُطلق كلماتنا في رحاب الصحراء، وفوق كثبانها الرملية، نتحالف «اوتوماتيكياً» مع البساطة، بصورتها الأولى، قبل التزييف، وقبل أن تدخل البساطة صالونات التجميل الفخمة، كقاعة من قاعات الجلسات العربية.
وتدار فناجين القهوة كطقس في برنامج سياحي عن التراث الصحراوي. ربما لا يجد البدوي البساطة في رحاب تلك القاعات المكيفة، والأحاديث المكيفة، ولا يمكنه تذوق نكهة القهوة وحب الهال إلا فوق الرمل..
هكذا هي الصحراء. وهكذا هي أصول البساطة... أي شعور رائع ذلك الذي انتابنا ونحن نتوسد الكثبان، ونحن نصغي في هدأة الليل، بليلة نشر فيها القمر أشعته الفضية، نستمع بشغف إلى عزف السكون من حولنا، وصمت الصحراء البليغ...
أي تواضع بليغ، أصيل، عندما يعاف ذلك البدوي الرياض والحدائق المعلقة، ويتوسد رملة الشكوى مع من يُحب تحت ضوء القمر.. الصحراء، عالم من الحنان، والقسوة، ينابيعنا الأولى، وبطاقتنا التعريفية المختصرة، تشعرك أنك مازلت على علاقة حميمة لم تقطع مع (مشيمتك)، على علاقة ما بطقوس ولادتك الأولى، قبل أن تنمو وتكبر فيما بعد على الحليب الصناعي، والرمل الصناعي، والجو الصناعي، والعلاقات البشرية الصناعية المتكلفة...
من أحبَّ الشعر، أحبَّ الصحراء..
ومن أحبَّ الوضوح، والاختصار، واحتقر اللف والدوران والعلاقات الافعوانية، عشق الصحراء...
أي سحر يجلل كثبانها، وأي عادات وتقاليد «سنع الأول» حافظ عليها ذلك البدوي، تخفق روحه عند ذكرها، وتذكرها، رغم زحف جحافل الأسمنت، والتلفزيون الملون، وغابات الفضائيات، وفتيات الفيديو كليب على مملكته...
ذلك البدوي الذي يرى في صحرائه كنوز الأقدمين، وفي قيظها تتراءى له بحيرات البجع.
الصحراء، هي الرجولة، المواجهة، الصراحة، التسامح ونكران الذات، هي كلمة الشرف «وعروة الله»، والمروءة، والترفع عن التوافه، وسفاسف الأمور، هذا اللقاء لم يكن مرتباً له أن يكون تحت ضوء القمر، ولكن هكذا حدثت الأمور صدفة، فاغتنمناها فرصة، ولم نستخدم أضواء صناعية،.
وبقينا جالسين مع مضيفنا نستمع لحديث طازج عن دبي الأمس بدءاً من عهد الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، وامتداداً إلى اليوم... وحرصاً منا على (طزاجة) الحديث، سنحاول المحافظة على تدفقه وزخمه بصورته الأولى، بالأسود والأبيض، وبلهجته كما هي، مع شروحات بسيطة، لبعض ما هو غير مفهوم بالنسبة للقاريء، ولكلمات شديدة الخصوصية في معانيها، مستلة من اللهجة المحلية البدوية..
مضيفنا هو الوالد حمد بن محمد بن محمد بن سعيد قبع العامري، رجل ستيني، حين سألناه عن عمره قال..
نحن بدو، نكد الركاب، ما نعرف التواريخ، أمشي حول الخامسة والستين، كما أظن، في ذيك التيفان (ذلك الوقت) لا توجد أوراق وتواريخ، وربينا هني في الفقع ودبي، جدي وأبوي وأنا كلنا ربينا واشتغلنا عند شيوخ آل مكتوم طولَّ أعمارهم...
الفقع هي منطقة خب الثور؟
ـ لا، خب الثور قرب الهير، وهو اسم بقعة كانت مكاناً لتجمع مياه الأمطار، غدير ماء، مغدر، يوم يضرب المطر الأول، ويأخذ له شهرين، تتجمع الناس حوله.. أما الفقع، فهذه كانت منطقة كلها مزارع الأول، أنا روحي (بنفسي) وعيت عليها، ولقيتها بقعة المزارع، والجت، والشيبان الأوليين يخبروننا، وقعة بلاد، ووقعة سوق، ناس وأسواق ومزارع...
مرة لقيت في الرمل في منطقة خب الثور فلوس مال الأول قديمة، من صِفِر أي نحاس أصفر، وشليتهن (أخذتهم) لمحمد بن راشد وشافهن، قال هذه تواريخ سنين، من آلاف السنين (عملات قديمة)..
* أين وجدت تلك القطع النقدية؟
ـ لقيتهن في البقعة نفسها، خب الثور، شرقي بيت سعيد بن طحنون.. ومكتوب عليهن، وامّهر (مختوم) عليهن مهار، لقيتهن في الرمل، وشفتهن غريبات، نحن ما لحقنا عليهن، أظني هذا الكلام كان حوالي سنة 1972م.
زايد له ذاكرة قوية
* وماذا تذكر من حوادث ذلك الزمان الذي عشتموه هنا؟
ـ أذكر أن المرحوم الشيخ زايد دوم يزورنا هني، زايد مهندس الله يرحمه، يحوط في البقعة، ويقايس ويشوف، ويحوط في البر، الخربان عَّدلَه، والعدل زاده تعديل، مني (من جهة) شيخ ومني رجل غيور على أهله أبناء بلده ويحبهم مثل عائلته، يسأل ويتخبر عن العرب، من هذا؟ وله ذاكرة قوية لا ينسى الشخص ولو زاره من سنين ولمرة واحدة، ما ينساه، ويذكره بالإسم.
ولو التقى بأحد من أولاد ذلك الشخص يتذكر أبوه ويتذكر متى رآه وأين فيقول هذا ولد فلان، يعرفه على الشبه ويقرأ الملامح وعادة ما تصيب قراءته.
رجل حليم، وعياله طول عمارهم يسيرون مثله ان شاء الله. ريال يحب «سنع الأول»، يجب حياة الأول والتراث ويشجع كل من يشوفه متمسك به.
* ألا تذكر من حوادث الزمن القديم شيئاً؟
ـ سرنا مرة (ذهبنا) أيام أول يوم الانجليز هني، ومعي ريال (رجل) شجاع، ظفر، ريال معروف بشجاعته اسمه حمد بن قطامي، لحقنا ناقة لنا شاردة، ووصلنا صوب حفيت، جبل حفيت بالعين، ويوم وصلنا هناك لاقتنا قوة عسكرية من الانجليز، أوقفونا، ربطنا الركاب (الجمال) في الشجر، وحَوَّلنا (نزلنا من على ظهورها)، ووقفنا ننتظر ما سيفعلوه، كانوا يفتشون.
وتحيد العرب إذا ما يعرفونك ما يثمنونك، ربما سمع الانجليز عن شجاعة الرجل وعدّوه خارجاً على القانون، وهو بالعكس رجل شجاع، شريف مخاوي شمة، ثم يقول إذا ألقوا القبض علي فسيقتلوني إذا عرفوني، وهو الريال خايف عليّ أن يقتلوني معه، هو خايف عليّ مب خايف على عمره، واثناء حديثنا وهو يعبر عن توجسه منهم.
وقف وكان ماراً في ذلك الوقت من هناك الشيخ محمد بن صقر القاسمي، فقلت لصاحبي سنناقش هذا الأمر فيما بعد، ونحن ننتظر ما سيحدث معنا، وكان محمد بن صقر يعرف بن قطامي، ويوم حَوَّل، عرف الريال ورد علينا السلام من بعيد، والانجليز كانوا متوجهين جنوب حفيت.
ولاقونا ووقفونا، واحد سار وخبّر محمد بن صقر، قرب عليه يقول له هذا هو ترى حمد بن قطامي اللي يدورونه الانجليز، وهم لم يعرفوه، فغضب محمد بن صقر على الرجل غضباً شديداً، ونهره وصرخ في وجهه:
اقطع، قطع الله حسك. رجل فيه شيمة على العرب، واستهجن هذا السلوك من الرجل، وحذره بل وهدده بالقتل إن هو وشيَ به للإنجليز، فسكت الرجل.
وكلمنا بنفسه وقال إذا لم تكونوا تمانعون في تفتيش الخرج فهم، يقصد الانجليز، ربما يبحثون عن ممنوعات، فكلم الانجليز بعد أن اطمأن أننا لا نحمل ممنوعات، وقال لهم: الركاب أمامكم، فساروا وفتشوا الخروي (خرج الناقة) فلم يجدوا ما يبحثون عنه، فتركونا ورجعوا. وسرنا عنهم ولم يعرفه الانجليز وسلمنا منهم.
كنا نسافر (نطرش) على ركاب، لين دبي، وغير دبي ماشي غير مرات معدودة إلى أبوظبي والعين. لكن دبي ما نخوز عنها. نشل عبرية، ننقل ناس يودون السفر إلى مكان ما بأجرة.
النسوان (النساء) نشلهن على ظهور الركاب، خمس ست نسوان نشلهن وين بِغن (أينما أردن الذهاب) دبي وإلا العين، ومن طوي (بئر ماء) لين طوي، يوم القيظ (موسم الحر) نحضرهن العين، نوديهن النخيل في واحات العين، الأول العين نحن ما نسميها العين...
* ماذا كنتم تسمونها؟
ـ العين الأول ما نسميها العين، نسميها عْمان، وذيك اللي يسمونها عُمان اليوم نحن ما نسميها عمان بل كنا نسميها الباطنة، من مسقط وما حاذاها وبلدانها. عْمان اسمها عْمان ونقصد بهذه الكلمة (العين)، العرب تقول حضرنا من عمان وبدينا من عمان، كذى العرب الأول تقول.
وعْمان الأول (العين) معروفة قديماً بأسمائها مثل: المعترض، والقطارة، والجيمي، والمويجعي والمسعودي وهكذا..
* ألم تكونوا تزورون الشيخ زايد في العين قديماً؟
ـ ومن ما يزور زايد؟.. كنا نزوره في قصره قصر العين الموجود حالياً قرب واحة النخيل باتجاه الصناعية وأنت ساير، كنا نزوره هناك جنوب العين. يزورونه من كل القبائل، أذكر منهم من شيوخ المناصير قوم بن سالمين، ومن العوامر الشيخ سالم بن حم ما يخوز عنه (لا يتركه)، ومن شيوخ المناصير أيضاً بن قران، وقوم عبيد بن مبارك، وقوم علي بن مبارك.
وقوم مبارك بن محيميد وقوم مبارك بن فاضل المزروعي، وقوم هدهد بن مكتوم الشريفي والدودة بن مكتوم الشريفي، وعرب وايدين يزورونه في المويجعي وفي قصر العين.. لكن، نحن أكثرنا ربينا واشتغلنا هني في دبي، أبوي عاش عند حياة راشد بن سعيد، ويوم بعده محمد بن راشد صغير أنا عنده، أشله (أحمله) على كتفي وعنده ولا أظهر وإلى اليوم.
مركاض الركاب في الشندغة
* هل من حدث قديم تتذكره حدث هنا في دبي؟
ـ من سنين، زمان يوم سعيد بن مكتوم سوَّوا العرب مركاض للركاب (ميدان سباق للجمال)..
* أين، في ند الشبا؟
ـ لا، ند الشبا هذي الأول (قديماً، خلا، الدار ماشي فيها غير الأرانب.. المركاض كان في الشندغة، الغبيبة، استوى (حَدَث) على أيام الشيخ سعيد وحطّوا العرب شارة (جائزة) من الخمسة جنيه خمسة جنيه جمعوهن، فلوس ذهب، جنيهات ما هي خرجيتهم (ليست عملاتهم) وتواعدوا من رأس الخيمة حتى أبوظبي، وسار عندهم حياة حشر بن مكتوم أخو سعيد بن مكتوم.
ويوم فكوا العرب الركاب (أطلقوا الجمال) ظهرت بنات الوري (اسم لسلالة جمال معروفة) واحدة أمها بنت صوغان (سلالة جمال أيضاً مشهورة)، وأبوها الوَرْي، ووحدة أمها وأبوها الوَريْ (من سلالته)، بدأ السباق من غربي جميرا باتجاه الشندغة، وكان عندنا واحد شيبة حياة شامس بن أحمد بن علوة.
والركاب يوم يخبّن (يركضن) ما تقول ركاب تقول بنات من رحامتهن (من جمالهن) قال بن علوة والله ما انساهن يوم الزعفران عليهن عادة (يوضع الزعفران على أنف الناقة الفائزة فرحا بها) تلايمت أي تجمعت في ذاك المركاض الثقلين «أمة الثقلين دلالة على كثرة من شهدوا السباق» يقول عاد المغرد «الشاعر» الذي ينظم تغرودة وهي نوع من أنواع الشعر النبطي المعروف، قال المغرد فيهن..
يا المر سويتها جميلة فينا
ما تنّسى مادامنا حَيّنا
لوما بنات الوَرْي كان غدينا
كان الرّهان عَبَّر ولا قَرّينا
وكانَن خلاف دِينٍ على اثردْينا
* ومن هو المر؟
ـ المر اللّي له النوق اللي سبقن، وبنات الوَرْي هن للمر بن حريز، والا هو من قوم المر بن الشيخ من المرر، وهو المر لكني ما اوكده من هو بالتحديد. حياة سعيد بن مكتوم (سعيد بن مكتوم آل مكتوم، حاكم دبي في الفترة 1912 ـ 1958م) حي يوم استوى هذا الركض..
وحياة سعيد بن مكتوم الله يرحمه معروف ما يقول لا لكل من طلبه في حاجَة، ما يقول لا مرَّة «أبدا» عنده لو رَمَّسته «كلمته» في شي في حاجة، ما يقول لا «دليلا على كرمه»، يقول دوم ان شاء الله ولو العرب ما عندهم شي الأول، وحتى الشيوخ ما عندهم شي الاول الناس كلها كانت في ضيق وفقر، وقد طبقت شهرة كرمه الآفاق، وغرد حمد بن ركاض، سوّه تغرودة فيه.. يقول فيها:
ركبت شقرة حلوة المنشاري
شدادها يازم بغير زواري
يطرون بومكتوم حظّه ثاري
يوم كل شيخ بالعطية طاري
سَوَّن عليها دروب من كل كاري
شروا ركاب الحي للزواري
رد على تغرودة بن ركاض، محمد بن شعفوري بن ثنية العامري وقال:
ركبت حمرا من الهين م العورا
ما شلت الحلة ولا التبشورا
ونعم بومكتوم يوم الجورة
شيخ امام عاليات قصوره
ما هو براعي دس والِاّ بورة
ناقي وعند الله طوال شبوره
البحر من ملكه والبرور بروره
شروى الفَلي اللي زاهي بنهوره
راشد من أفضل الرماة بالبندقية
* وهل من ذكريات عن أيام المغفور له الشيخ راشد بن سعيد رحمه الله؟
ـ الذكريات كثيرة، لكن ما أذكره انه كان من أفضل الرماة بالبندقية، ريال «رجل» ضربة بندقه لا تخيب أي دائما يصيب الهدف، كانوا يحطون النفاخات «البالونات» في البحر، يعقونهن «يرمونهن» في البحر عند مبنى الكمرك «الجمارك» الاول هناك مجلسه، من يحط البندق على كتفه مرة انقعت وثورت «اطلقت» والله ما تقول انه يبطي.
ما تقول انه بيتشوّف «يعاين الهدف»، ما تقول انه حاطها على كتفه، محمد بن راشد جاء مثله وكلهم اخوانه طوّل اعمارهم مثله، والا كلهم هذيله رجال البوفلاسة معروفين من زمان الاول رمّايين وبوارديّة.
* عشت عند الشيخ محمد بن راشد فهل من ذكريات؟
ـ إلا عشت عنده.. من يوم هو صغير أشلّه على كتفي، ما خوز عنه (لا أبتعد عنه) لين اليوم، في الستينات مرة سرنا جزيرة فروة، نصيد الظباء، يصيدون بتفقان (بنادق) مشرّخة وفولن الشيوخ عندهم فولن (مشرّحة وفولن أنواع من البنادق)، وظهرن تسع ظباء وقال لي محمد بن راشد بتسرح عندي، ويش بتقول، ما ترك واحدة منهن، قال لي بس شوف، تطمش (انظر)، ما شاء الله وهن يترابعن.
بندقه ما تسير ببلاش.. واكثر من هذا مرّة عزمونا في إيران كنا سايرين القنص في مكان أسموه زاهدان، نقنص، ويونا (جاؤوا إلينينا) ناس، رجال بشنبات كل واحد شنبه لين اذنيه واصل.
وأرادوا أن يباروننا في الرمي، قالوا بغينا نرمي عندكم، يقولون لمحمد بن راشد، قالهم: زين. يوم صبح الصبح، شفت ما سرحوا الشيوخ (لم يخرجوا للصيد)، العادة نغبش ونسرح من الفجر، جيت عند الشيوخ، سرت عند محمد وقلت له: ماشي اليوم مسراح؟ (ألن نخرج اليوم للصيد). قال:
لا، اليوم بييونا (يأتون إلينا) عرب بيضربون عندنا (وكلمة عَرَب المقصود بها أناس وليس جنس العَرب فقط)، والريال (الرجل) الضيف الذي سيضرب عندنا ريال مخاوي شمة (عبارات مثل مخاوي شمّة أو أخو شمّة وظَفْر وحَمَرعين تُقال عادة لوصف الرجل الشجاع المقدام والشهم)، بغيناكم اللي يحيد روحه قادر يتم عندنا واللي يحيد روحه ما يقدر يتحمّل لا يقرب.
وعلى فولن ونص فولن، ومشرّخة ونصف مشرخة، وفيه ساكتون (ساكتون نوع من البنادق) ومن كل بندق موجود. وقال لهم: حطوا النيشان رواحكم (بأنفسكم)، وتخيّروا من البندق. فيه مرتفع جبل أمامنا، وقالوا: بنحط سيجارة نيشان للرمي، وساروا وحطوهم وركّزوهن، والمسافة تقريباً «مئتين خطوة»، هبابك تشوف السيجارة، ورموا وصوّبوا وما حد صابها. ونحن كنا خايفين منهم عن يغلبونا.
قال محمد بن راشد هاتوا المنظرة (المرآة) وتم حاط البندق على كتفه باتجاه الهدف وهو معطي ظهره للنيشان للهدف واضعاً المرآة ليرى فيها النيشان فقط ويضرب بالعكس، شاف صلب السيجارة، شوي ويضرب واحد، الضيوف كلهم استغربوا وتعجبوا رواحهم زاغوا متعجبين، كيف يصيب الهدف والبندق مخالف (بالعكس) وكلهم قاموا يصفقون معربين عن اعجابهم الشديد. ثم قام الباقون من رباعتنا يبغون يضربون..
* ومن كان عندكم؟
ـ عندنا أذكر المر بن مكتوم رمّاي بواردي. ورميت أنا وجابر بن مسعود الاحبابي.
* عشت في منطقة الفقع، كيف كانت الحياة قديماً؟
ـ كان كل شيء فيه بركة. كنا نسير رباعة خمس ست رجال نطرش دبي، نأخذ لنا 12 وإلا 13 يوم..
* من تذكر ممن كانوا يسيرون معك؟
ـ أذكر منهم على بن سرداح الله يرحمه، ومثل حماد بو الخرايط، نهيان بن دهيدوه، عبد الله بن شامس والحبروت بن شامس هذيله قوم بن علوة. نسير رباعة وكل يوم ننام في خريمة واحنا نسير.
نبيع الصخام والحطب في دبي ونتميّر (نتسوق) من ديرة والأول إمية روبية ترفع الركاب، ما هو ذا الحين ثلاث آلاف أربعة آلاف ما يمزرن (يملأن) موترك (سيارتك) دليل على قلة البركة وغلاء المعيشة.إمية تسدك مؤونة شهر. نتميّر أول من دكاكين حاسون في الشندغة، في الغبيبة.
ومن ديرة، على قهوة وعيش وطحين وقناد، وقَلَّة تمر بصري والاّ ميناوي، والأول ما نعرف أنواع التمور الموجودة اليوم، الأول التمر كله عندنا زين، من يعرف الأول الخلاص من الخنيزي الحين نتعلم، الله يرحمه زايد كثر الخير في وقته.
الأول نعرف بَس فَرض ونغال وخنيزي (أنواع من التمور). والأول قدّام (قبل) على عهد سعيد بن مكتوم الأوليين يقنصون هني، هني في الدار هذي الفقع، على ظهور الركاب ماشَي مواتر، هذي البقاع كانت ممزورة (مملوءة) بالحِبِر (طيور الحبارى)، كل شيء متوفر وما جود حِبر وظباء وحتى الوعول يجون تراب الفقع، حياة عمير بن عتيق الفلاسي كان يقنصهن شرقي الفقع، ببقعة يسمونها خبّة السمرة مطلة على جَرّاح (اسم مكان).
تأتي الوعول من المشرق من الجبال (ربما المقصود هي جبال الحجر في عمان). وحياة أبوي كان بعد يقنص هني، يسمونه العكوي، وهو اسمه محمد بن محمد بن سعيد قبّع. وقبّع هذا الاسم له سالفة، أبوي كان رجل رحيم (جميل الطلعة) شعر راسه منسدل على كتفيه ومن رحامته (جماله) كان مرغوباً من النساء، وفيه قال الشاعر:
أسْميه مبّرق فوق وطايح سنّه
بيض العذارى كلهن يربنّه
كل ماخطف في الدرب يتفدنّه
وقشوم يرباهن ولا شافَنّه
(ومبرّق فوق لبوّقه ـ لقب ـ أبوي، وقشوم اسم لرجل عاش في ذلك الزمان)، وهو رجل شجاع معروف عاش عند البوفلاسة عند حمدة بنت سعيد بن عتيق الفلاسي أخوها شجاع العرب علي بن سعيد الفلاسي، عاش عندهم مثل ولدهم. وقبع هو سعيد قبع جدي وعُرِف أيضاً باسم الاغيبر، وهو جدنا، وجد المطاوعة يسمى الأخيضر .
وهما من المطاوعة ومن زود الطوع (التقوى) اللي فيهم كانت لهم كرامات ودعاؤهم بإذن الله كان مستجاباً. والاخيضر هو جد وقيش المطيوعي وحرقوص بن جابر المطيوعي. وعاش في الفقع رجال أهَل خير وكرم، عاش هني علي بن سلطان الفلاسي رَيّال معروف أنه كان يعيل فوق الأربعين بيت بعوائلها، يتبعونه على الخير اللي عنده في الفقع ومرقب والفاو.
وهل التراب الشمالي هني قرب دبي يتعيشون منه، بيوت شعر وحد حتّى ما عندهم بيوت، وحياة أبوي رابي عندهم، هني في بقعة شرقي خبة السمرة اسمها رقاع صقر. وكان يقنص معهم هني الحبارى والوعول. عندهم مثل ولدهم، وحياة علي بن سلطان كان ييب (يأتي) بالبنادق من حياة سعيد بن مكتوم.
* ومن سكن في منطقة الفقع قديماً؟
ـ سكن هني مثل ما قلت لك علي بن سلطان الفلاسي، وعيال بليشة بن علي بن سلطان، وسكن علي بن سعيد الفلاسي، البوفلاسة هم أبرز من سكن الفقع، كما سكنها السبايس (قبيلة مفردها سبوسي) قوم بن كراز، حياة بخيت بن كراز السبوسي واللي عنده من إخوانه، وقوم الشريفي السبوسي، وقوم بالقعود حياة جمعة بالقعود وعرب كثيرين سكنوا هذا المكان.
عمار السنجري
