عندما تفرض الحياة تحدياتها، وتختبر إرادة الكائن وقوته الروحية بأعز ما لديه، وقتها يستنفر الإنسان طاقاته الكامنة ويعلن بصوت عال وشفافية ساحرة، بأنه استطاع ان يحوز بجدارة مكانته السامية .
وان يصبح سيداً للكائنا كلها.حكمة الحياة في ثنائياتها المتعاقبة ودورانها الذي لا يتوقف وعظمتها بالقدرة على التسامي عن مآسيها، وهذا ما قامت به أم خالد التي أنجبت أربع حالات إعاقة نتجت عن زواج الأقارب، فقد ارتبطت بإبن عمتها واستقرت في الإمارات منذ 30 عاماً.
وأنجبت على التوالي ابنتها خلود عام 1978 وأماني 1980 وغادة 1981 وخالد 1983، وكانت الأوضاع مستقرة حتى اكتشفت إعاقة غادة واصابتها بالصمم، ثم تبين ان باقي الأولاد مصابون بذات الإعاقة.
كان الأمر مفجعاً وقاسياً وكان كفيلاً بأن يحطم العائلة ويدمرها، خصوصاً وان الوالد أصيب بنوبة قلبية اضطر بعدها ان يلازم المنزل ويستقيل من عمله، إلا ان أم خالد، نهضت بروح الأم ومحبتها الكبيرة وقررت ان تكافح من أجل حياتها واسرتها فتطعوت في مركز لذوي الاحتياجات الخاصة، وبعد ان يئست من علاج أولادها، قررت ان تمضي معهم بكل طاقتها كي يتمكنوا من اتمام دراستهم، وتحديد ملامح مستقبلهم.
وقد كان لها ذلك، فقد انهت خلود دراستها الثانوية وتخرجت من معهد السكرتارية الشاملة وهي الآن تعمل «منضدة» في إحدى الجامعات وقد اثبتت جدارتها بالعمل وقامت الجامعة بتكريمها بجائزة الموظفة المثالية واستطاعت أماني ان تنهي دراستها الثانوية بدورها.
وتلتحق بإحدى الجامعات لدراسة إدارة الأعمال، أما غادة فقد أتمت دراستها في مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، واستطاعت ان تؤمن عملاً في احد البنوك وهي تتابع الآن دراستها الثانوية المنزلية، كما انها تتمتع بموهبة في الرسم والخط وقد شاركت في العديد من المعارض حصدت من خلالها الجوائز وشهادات التقدير، إلا ان خالد لم يتمكن من مواصلة دراسته بسبب العجز المالي الذي تمر به العائلة وهو أيضاً يتمتع بموهبه الرسم والخط وقد شارك بدوره في العديد من المعارض.
بهذا نوجز حكاية لا يمكن ايجازها، لأن لحظات الإخفاق ولحظات النجاح شكلت نسيج هذه التجربة الإنسانية التي انتصرت للإنسان مرة أخرى، واثبتت ان الإرادة والإصرار والإيمان بالطاقات والقدرات لابد ان يفرع ثماراً تزين شجرة الحياة الشاهقة.
ناهد حمود
