أبراج الكريستال وعمارة ما بعد الحداثة والمدن الافتراضية التي نشأت وفق سحرية الميديا وفراغية الهياكل الأنيقة للشركات متعددة الجنسيات، ونوافير الماء التي تتسلق الطوابق العديدة والمرايا العديدة باتت تحتل المشهد البصري برمته.
فيما تنحسر وتتلاشى الكتل العمرانية الأصيلة التي حملت نفس ونبض الإنسان الذي شيدها، والذي مزج في هندستها، الوظيفي بالجمالي، والتزييني بالعقائدي، والزخرفي بالمطلق.
هذا ما أفرزته وتفرزه بعض وجوه التطور الاقتصادي والوفرة المالية الهائلة، التي فرضتها الطفرة النفطية، ففرضت بدورها نوعا من التغيير القسري على البنية الاجتماعية والنفسية والعمرانية في دولة الإمارات، فحتى أواخر السبعينات كانت العمارة العربية الاسلامية تشكل البيئة الطبيعية والأصيلة للبنية المعمارية الإماراتية، ممتزجة مع نكهات عمرانية أخرى جاءت من بلاد فارس ومن شبه القارة الهندية.
الجزيرة السكنية
شيدت البنية العمرانية المتراصة في الإمارات، بالتعاطف والدربة والابتكار، وبما يتلاءم مع البيئة الجافة والمناخ الصحراوي القاسي، فقد استخدمت المواد البيئية الطبيعية كالحجر المرجاني و (الفاروش) والجص وحصى (البيم) مكونة بذلك البنية الحضرية لدولة الإمارات والبيئة العمرانية المتماسكة التي كانت أساس الهيئة الخلوية التي نجدها كثيرا في المدن الإسلامية.
فالعمارة القديمة في الإمارات، تكونت من سلسلة من المباني تراصفت إلى جوار بعضها البعض وشكلت فيما بينها تلك الجزيرة، التي ارتبطت مع بعضها البعض بشبكة من الشوارع والأزقة والطرقات ذات النهايات المسدودة. هذه الكتلة المعمارية المتراصة على هذا النحو والتي اشتركت بميزة المسكن ذي الفناء.
وإهمال الواجهات الخارجية لصالح العناية بالبيئة المعمارية الداخلية وتزيين الجدران والتيجان والنوافذ والأبواب، بتشكيلات بديعة من الزخارف المتنوعة، هندسية ونباتية، توزعت برشاقة وانسيابية، عبر الرولييفات الجبسية النافرة أو النقوش المحفورة على الأفاريز والنوافذ، تمثل مجموعة من العناصر الأساسية في العمارة الإسلامية، التي اشتملت عليها العمارة القديمة في الإمارات.
وكونت بذلك الهوية التاريخية والبعد الحضاري للإنسان المحلي، وساهمت في تشكيل شخصيته ومزاجه الإبداعي والإنساني عبر انتمائه إلى جذوره البعيدة.
تأصيل
اختزال بعض المباني التاريخية إلى واجهات معزولة، وتحويل البعض الآخر إلى وثائق لعهود غابرة، واستئصال قلب الحواضر السكنية بتحويل مدنها القديمة إلى ظلال شاحبة للعمارة الطارئة، في حين تنهض العمارة الحديثة بكل جبروتها لتلتهم المشهد بمراياها العاكسة للأحلام والرؤى.
بنية هذا التوتر والصراع بين القديم والجديد، بين ما بعد الحداثي والأصيل، هي ضرورة لابد من فهمها، وقانون لا يمكن تجاوزه، وهي حالة يجب ان نخرج منها بإيجاد صيغة جذرية تأصل لمعمارنا الكبير، بكل عراقته، وأصالته وبنفس ونبض الذين شيدوه.
وهذا ما تنبهت إليه دبي والشارقة ومدن أخرى بعد أن تم هدم العديد من المباني السكنية القديمة واستبدلت بقضبان من المعادن اللامعة، والحقيقة أن التأصيل وإعادة ترميم المباني القديمة، يجري بشكل لافت، فقد جاء على شكل مشاريع شملت أحياء ومناطق بأكملها، كما حدث في الشارقة مع منطقة الشويهين، والمريجة، وفي دبي مع منطقة البستكية، ومناطق أخرى.
والتأصيل هنا، لا يعني فقط إحياء وترميم المباني السكنية القديمة والأسواق والمساجد، بل تحويلها إلى وحدات حية ومتعشقة مع الحياة اليومية للإنسان الذي ما زال يبحث عن هوائه الخاص ونكهته الخاصة، في ظل هذا الزحام واختلاط الأشياء، وفي ظل غياب اللمسة الخاصة والبعد الفردي والوجداني في ابتكار الأشياء.
إسماعيل الرفاعي