في الصباحات الأولى مع بزوغ الشمس تستيقظ المدينة وتهش بقايا النوم عن عيونها باحثة عن فنجان القهوة أو كوب الشاي، تقليد صباحي يمارسه المبكرون إلى أعمالهم ومصالحهم الخاصة.
وعلى الطرقات الندية تتوقف إطارات السيارات في مساحات ضيقة تكاد تربك حركة السير في المناطق الداخلية للمدينة، تنطلق منبهات السيارات مطالبة بسرعة تلبية الطلب، وأخرى تتلمس طريقها للخروج من مأزق الازدحام، الجميع في الانتظار، إلى ان يلتقط أحدهم مشروبه المفضل متذوقاً إياه بسرعة ليطمئن على جودته المعتادة وينطلق.
مشهد صباحي يتكرر كل يوم في جميع مدن الدولة أمام مطاعم وكافتريات اشتهرت بتقديم الشاي «الكرك» بمذاقه الخاص ونكهته المميزة، يهرول أكثر من نادل في اتجاهات متعددة يلبون طلبات زبائنهم الدائمين، ولو كان ذلك على حساب الجالسين على المقاعد أمام المطعم، فهم حريصون على عدم فقدان الزبون الدائم.
وإذا كان المشهد الصباحي أمراً معتاداً بالنسبة للكثيرين ممن يمارسونه، إلا ان الجلسات التي تجمع الأصدقاء في أوقات متفرقة تمتد حتى المساء، يتحلقون حول طاولة الشاي «الكرك» مشروبهم المفضل، تجعلنا نفكر ملياً في سحر هذا المشروب ومدى أهميته بالنسبة لهؤلاء، فالبعض يرى فيه افتتاحية مناسبة لمعدته ومزاجه، غير ان إعداده في البيت يتطلب وقتاً أطول.
ولن يكون بأي حال مثل الذي تقدمه المطاعم المتخصصة في هذا المجال، أما الذين يلتقون مع أصدقائهم في زاوية منفصلة أمام الكافتريات، فإن الشاي هو القاسم المشترك بينهم، تماماً كما هي أحاديثهم التي تناقش الهم الواحد و تجتر الذكريات.
شاي «الكرك» تلك الحبات السمراء التي تترك إلى حد الغليان مضافاً إليها حبات الهيل والحليب، تخرج طازجة في أكوابها تزفها حلقات البخار، وتسبقها رائحتها المميزة لتشارك عشاقها صباحاً جديداً.
وأحاديث مفعمة بالتأملات والأمنيات الجميلة، إلى ان يأتي المساء لتعود مرة أخرى ترافق الباحثين عن نزهة عائلية، أو أولئك الذين اعتادوا على تناولها بعد يوم من العمل الشاق والمرهق ذهنياً.
تلك هي العلاقة الحميمية التي ربطت كوب الشاي «الكرك» بفئات متباينة من الناس، لا فرق فيها بين متزوج وأعزب، الكل في الميول سواء، تضيق بهم ساحات المدن الداخلية .
مما يؤدي في بعض الأحيان إلى إقامة علاقات صداقة بينهم بحكم التقائهم كل صباح، وتتركز المطاعم التي تقدم هذا النوع من الشاي في المناطق ذات الازدحام السكاني لاستقطاب أكبر عدد من الناس عكس المناطق السياحية بطابعها المغاير.