تشعر نعيمة الهاجري بالسعادة وهي تجلس كل يوم في قاعة التراث في أحد المراكز التجارية، تمارس هوايتها المفضلة في صناعة «التلي»، فيما تتجمع حولها مجموعة من النسوة يحاولن التقاط مفردات هذه الصنعة اليدوية المتوارثة منذ القدم، في محاولة منهن لتعلمها من أجل الحفاظ على كل ما هو تراثي وأصيل في حياتنا المعاصرة.
نعيمة أحبت هذه المهنة وتعلمتها من والدتها أولاً ومن النسوة في قرية التراث بعد ذلك وهي تتذكر جيداً أيام كانت والدتها تجلس ساعات طويلة أمام «الكاجوجة» ـ وهي الأداة المعدنية التي يصنع عليها التلي ويوضع عليها مسند التلي ـ تنسج الخيوط التي تتحول بين يديها إلى نقوش تزين «الكندورة» أي الثوب النسائي التراثي الجميل.
* تقول نعيمة:
ـ أجد نفسي مقصرة تجاه هذه المهنة التراثية التي أمضي معها يومياً ثلاث ساعات فقط فبعد أن أنتهي من واجباتي المنزلية والأسرية تجاه زوجي وأطفالي أتفرغ لهذه الهواية.
كما اشبع ولعي بتجميع القطع التراثية والتحف مثل الخناجر القديمة والسيوف وصناديق الزينة والفنارات وكل الأشياء القديمة متذكرة على الدوام حكمة الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وتأكيده بأن «من ليس له ماض فلا حاضر له».
* صناعة التلي مهنة يدوية بالدرجة الأولى وهي تعتمد على نوع الخيوط المستخدمة، إذ كانت «هدبود» أي خيوط البريسم هي الرائجة وكانت تستورد من الهند أو تغزل بشكل يدوي وتصبغ حسب الألوان المرغوبة إلى جانب خيط (الخوص).
وقد استعيض بدلا عنها بالخيوط الجاهزة في هذه الأيام.
تقوم «نعيمة» بنسج التلي مستخدمة سبعة خيوط، ستة منها فضية اللون، مع خيط أحمر، تنقل كل خيطين معاً إلى خانة أخرى ببراعة وسرعة لا تجيدها إلا المتمرسات ـ تبتسم وهي ترى محاولاتنا لاستيعاب ما تقوم به.
وتقول: ما أقوم به هو أبسط أنواع التلي ويسمى التلي العادي (بوفتلة واحد) وهناك أكثر من نوع حسب ادخال خيط الفضة فيه (الخوص) وخيوط (هدوب البريسم) كالتلي بوفتلتين وثلاث فتلات وأربع وخمس وقد يصل إلى 200 فتلة.
والتلي «بو ثلاث فتلات» تجدل فيه ثلاثة خيوط (خوص) مع ثمانية عشر خيط (برسيم) وفي التلي «بو أربع فتلات» تجدل خيوط أربعة (خوص) مع أربعة وعشرين خيط بريسم.
* وماذا تصنعين من التلي؟
اصنع «البادلة» وهي القطعة التي تزين صدر وأكمام الثوب النسائي الخاص، كما أصنع (رأس القند ـ الفور) ونقوش التلي مستوحاة من رسوم تراثية قديمة.
يحتاج صبراً
وعن المدة المستغرقة لانجاز ثوب بالتلي، تقول: احتاج إلى أكثر من شهر لانجاز ثوب كامل موشى من ناحية الرقبة والكمين فقط وتضيف: كم اشعر بالسعادة عندما تتاح لي فرصة المشاركة في المهرجانات والفعاليات المختلفة في دبي.
وأرى حرص النسوة على تعلم «التلي» فأجلس ساعات طويلة مع من ترغب، أحاول ان اشرح لها طريقة النسيج، بعد ان أفك الخيط مرات ومرات، ولا أشعر أبداً بالملل إن أخطأت إحداهن في المرات الأولى فقد مررت بالتجربة ذاتها وارى من واجبي أن أعلم من ترغب، تماما كما علمتني والدتي ونساء أخريات.
وعن الفرق في «التلي» بين مزاولته يدوياً أو صناعته بالآلات الحديثة تؤكد «نعيمة» أن ما يميز العمل اليدوي هو الإتقان والجودة والصنعة الواضحة التي يستطيع أي مهتم بالأزياء التراثية التعرف عليها.
وتضيف: صحيح أن الآلات الحديثة تنجز «التلي» بشكل أسرع لكنها في المقابل تعجز عن الوصول إلى اللمسة السحرية التي تضفيها النسوة على القطعة المنسوجة، ولعل هذا ما يفسر الإقبال الكبير على الصناعة اليدوية رغم الثمن المرتفع للثوب الموشى بـ «التلي» والذي يتراوح بين 300 و400 درهم مقارنة بالأثواب المصنوعة آلياً خارج الإمارات.
صندوق جدتي
ونحن نتحاور قدمت مجموعة من النسوة يسألن عن ثمن الثوب الواحد الموشى بالتلي فأخبرتهن نعيمة أنها لا تبيع التلي وإنما تفعل ذلك على سبيل الهواية وحفظ مهنة تراثية من الزوال.
مؤكدة أنها سعيدة وفخورة بعملها حين تستعرض ما تقدمه أو عندما تفتح صندوقها الخشبي الكبير الذي ورثته عن جدتها وتبدأ في التمعن في محتوياته واستعراض أثوابه القديمة المزركشة والمطرزة.
وتلتقط نعيمة من الصندوق ثوباً موشى بألوان العلم الوطني للدولة ومطرزاً بالتلي مشيرة إلى أنه مصنوع من خيوط الفضة وقد قدمته لها جدتها يوم زفافها، وتطلب منا تصويره وتصوير أثواب أخرى أخرجتها خصيصاً من الصندوق العتيق وهي تقول: تراثي وسام على صدري يستحيل أن أتخلى عنه لأن من لا يعتز بأصله وتراثه فلا أصل له.
أنس الأموي