للحديث مع الشاعر الكبير حمد بن سوقات نكهة خاصة، معبقة بالورد ودهن العود والند، تتماهى دبي الأمس بين كلماته، شاعر علم، نهل من معين القرآن الكريم صبياً، وميز أسلوبه، استعاراته وإشاراته وإحالاته على كلمات هن من صلب القرآن استعادها برهافة بدوي عربي حاذق قريب من كتاب الله.
مرهف الإحساس والشعور، متأدب بأدب القرآن، ولا غرابة في ذلك، فهو ينحدر من بيت علم ودين وشعر وأدب ومشورة، فوالده كان عالما شرعيا شاعرا بالفصحى والنبط، حبب إليهم صحبة القرآن منذ الصغر.. صحبته الطويلة للشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله صقلت موهبته الشعرية. وأثناء زياراته المتكررة مع الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله لحكيم العرب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله تبادل الشعر مع عميد شعراء النبط وله العديد من القصائد المتبادلة (مشاكاة) مع الشيخ زايد رحمه الله أصبحت أشهر من أن نذكّر بها فهي معروفة ومشهورة لدى محبي الشعر.
لحديث عذب مع شاعر عذب ندعو قراءنا...
ـ نحب أن نعرف اسمكم الكامل، وهذا للتاريخ والتوثيق كما تعرف..
ـ اسمي الكامل هو حمد بن أحمد بن حمد بن خلفان بن سوقات...
ـ عرفت عائلتكم بـ «بن سوقات» فمن أين جاءكم هذا الاسم؟
ـ لهذا الاسم، بن سوقات، في الحقيقة قصة، أحب ان أرويها. كان جد الوالد يسكن في جميرا، وعنده بقّارة (نوع من السفن الخشبية المعروفة قديما كانت مشهورة في زمن الغوص على اللؤلؤ) .
وكان يسير الغوص، وكان له هذا المحمل، وحصّل أي وجد مكاناً، في البحر نسميه في لهجتنا البدوية، جفرة، أي مكان يكثر فيه محار اللؤلؤ، أي ما يسمى بمصائد اللؤلؤ، وسموها نيوت خلفان، يبقى هناك ما بين 15 و20 يوماً ويرجع ويبيع حصيلته من اللؤلؤ.
وجدي أول من اكتشف نيوت خلفان، ورزقه الله منها، وقد لاحظ أهالي جميرا في تلك الأيام ذلك أي ذهابه إلى ذلك المكان وإتيانه بالكميات الوفيرة من اللؤلؤ، فقالوا حمد بن خلفان يسوق سوقات من هذه النيوة ومشت عليه، فأصبح منذ ذلك الوقت يعرف إلى اليوم بـ « بن سوقات».
وما زال يعرف ذلك المكان بهذا الاسم، أي نيوت خلفان. ونيوت خلفان معروفة إلى اليوم وقد ظهر فيها البترول أيضا، لكن جدي الذي اكتشفها كمكان يكثر فيه محار اللؤلؤ، فكان يتردد عليها دون أن يدري به أحد، وحصّل خيراً من ورائها. لذلك كان الناس يقولون إلى أين يذهب ويأتي بكل هذا الخير ـ متعجبين ـ ويسوق كل هالسوقات..
ـ إلى أي قبيلة يعود أصلكم؟
ـ نحن نرد على البوفلاسة...
ـ أين سكنتم في البداية؟
ـ كنا نسكن في ديرة، وفي القرهود، كان محل هني جنوبي القرهود، كانوا يسكنون عيال ثاني وقوم بالرّقاد، وكنا أطفالاً صغاراً...
ـ هل كنتم تسكنون في بيوت؟
ـ لا، كنا نسكن في خيام، الأولين كله كانوا في خيام، من عقب انتقلنا إلى دبي، ومكثنا في الشتاء نسير نشتي في البر، في العوير، أو الخوانيج، وفي المناطق القريبة حوالي دبي...
ـ ألم تصلوا الفقع مثلا؟
ـ نعم وصلناها، ولكن كنا نذهب لوافين (مارين) بها ولكن لا نمكث لأننا لو بقينا هناك فسيتوجب علينا القدوم إلى دبي كل أسبوع، لذلك كنا نفضل المناطق الأقرب إلى دبي...
مدرسة للرجال
ـ هل درست في مدارس؟
ـ نعم، درست في المدرسة الأحمدية في دبي، في أيام الشيخ محمد نور، درّسنا هؤلاء المدرسون الذين كانوا معه...
ـ من تذكر منهم؟
ـ أذكر الشيخ مطر بن عبيد بن ماجد، وحياة بن دعفوس، والشيخ أحمد بن حمد الشيباني والشيخ محمد نور، هؤلاء الذين أتذكرهم والذين درسونا وعلمونا.
ـ وماذا درستم؟
ـ في تلك الأيام كانوا يعلمونا القرآن واللغة العربية والحساب والقراءة والكتابة وما إلى ذلك.
ـ وأنت اليوم تقرأ وتكتب؟
ـ نعم أقرأ وأكتب والحمد لله..
ـ وبعد فترة الدراسة؟
ـ عملت عند الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله وبقيت عنده إلى يوم وفاته...
ـ كم كان عمرك عندما عملت عند الشيخ راشد ؟
ـ حوالي 16 إلى 18 سنة لا أكثر...
ـ كنت بالطبع تحضر مجلس الشيخ...
ـ نعم بالتأكيد
ـ كان مجلس الشيخ راشد مدرسة للرجال كما هو معروف، مدرسة عملية، لأنها تجمع شرائح عديدة من المجتمع ومن الزوار والضيوف من مختلف البلدان والجنسيات، فماذا تذكر من خلال مشاهداتك من الحوادث التي لا تنساها؟
ـ الشيخ راشد الله يرحمه كان منذ شبابه كل تركيزه منصب على تطوير دبي، كان هذا العمل شغله الشاغل، ودبي كما تعرف تعتبر مركزا تجاريا منذ القدم، ولكن كيف أصبحت دبي مركزا تجاريا؟
ـ كيف؟
ـ دبي فيها هذا الخور، وهو عبارة عن حوض جاف يمكن تشبيهه بذلك، الكل يأتي ويرسو فيه، قديما، كان الذي يريد أن يخدم محمله، ويعمل بعض الإصلاحات والصيانة لمحمله يأتي إلى الخور.
والذي يحضر لموسم الغوص أيضا يرسو هنا، مكان خور دبي عبارة عن ميناء طبيعي، بل كان الناس يأتون من خارج دبي والإمارات، كانوا يأتون بمحاملهم من البحرين ومن سواحل الخليج كلهم يقصدون دبي. العيش (الرز) موجود في دبي، والمونة ـ أي المؤونة ـ كلها في دبي.
والمراكب كلها تأتي إلى هنا، والأبوام (جمع بوم وهو نوع آخر من المراكب الخشبية) القادمة من البصرة بقلاّت التمر تأتي إلى دبي، والخشب الكبار (السفن) القادمة من مليبار في الهند ترسو هنا أيضا تنقل الخشب، الجندل، والحبال والمسامير.
وكل الأشياء التي تحتاجها صيانة وصناعة السفن، فكل من يريد أن يخدم محمله إذا كان يحتاج إلى أي نوع من الصيانة يأتي إلى هنا. وبعد ان يخدم محمله ويصلح محمله، يتمون ميرته ويتسوق ما يحتاجه فكل ما يحتاجه موجود في أسواق دبي، خذ التمر.
وخذ العيش وخذ الحطب وخذ الماء وسار الغوص. كانت دبي أشبه بمحطة تموين لأهل المحامل. البدو كانوا يصبحون في دبي قادمين من بلداتهم بالحطب والسخام وصيادو الأسماك يأتون بالسمك الطازج ويعرضونه للمشترين. لم يكن هناك ما نستطيع أن نقول، مركز تجاري في هذا الساحل مثل دبي.
ـ كيف كان تعامل الشيخ راشد رحمه الله مع الناس بصورة عامة باعتبارك كنت قريبا منه؟
ـ أنا عشت مع الشيخ راشد إلى أن توفي رحمه الله كما ذكرت لك، الشيخ راشد أكلمك بكل نزاهة وبكل تجرد كان يتمتع بأخلاق لا توجد عند الباقين، أخلاق فريدة من نوعها.
فطوال عملي معه ومنذ كنت شابا صغيرا، ومن استويت، لم أره يوما فتن على أحد أي (صرخ)، أو ضرب إنساناً، أو وبخه، أبدا لم تكن هذه أخلاقه، بل هي بعيدة جدا عن شخصيته.
كان عكس ذلك، أخلاقه أخلاق عجيبة، كان إنسانا يقدر كل إنسان ويحترم كل إنسان بغض النظر عمن هو هذا الإنسان، وكان هادئاً، صبوراً، متأنياً في كلامه وفي أحكامه، دقيقاً في مواعيده، همته عاليه.
وأحلامه لتطوير دبي لم تكن تحدها حدود. كان يتعامل بشكل إنساني مع الجميع، الخادم، الشيبة، الولد الصغير الكل يحبه ويحترمه لأنه ما يفرق، متواضع، يستقبل الناس باحترام، يستقبل الناس بأدب .
وكان ما يحب دائما حد يقول له ياشيخ راشد ويكرر كلمة شيخ أمامه، كان يجلس معنا على الأرض يأكل معنا الكتف جنب الكتف، ما يحب يتميز عمن حوله، وعنده عزم، ولم يكن يفشل في مشاريعه التي فكر بها، ونفذها لتطوير دبي وأثبتت الأيام صدق وصحة أفكاره وقيمة مشاريعه.
نظرة مستقبلية
ـ وما سر تلك المشاريع الناجحة التي كان يقوم بها الشيخ راشد رحمه الله.. أين يكمن سر ذلك النجاح؟
ـ السر في التجربة والخبرة الفريدة التي كان يتمتع بها الشيخ راشد، إضافة إلى بعد النظر والنظرة المستقبلية التي لم يسبقه إليها أحد، لذلك لم يكن يفشل في مشاريعه.
وانظر اليوم ترى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يسير على خطى والده، فهو يمتلك تجربة أبيه، فالشخص إن لم يكن يمتلك إضافة إلى الإمكانيات على اختلافها، الطموح، لا يبني ولا يشيد ولا يطور بلده، لكن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يمتلك كل ذلك، ولذلك ترى دبي في تطور مستمر لا يتوقف.
كان الشيخ راشد يبدأ مشروعا ما في منطقة من مناطق دبي، تعتبر في ذلك الوقت من المناطق النائية، حتى العرب كانت تستغرب من سيأتي إلى هنا، إلى هذا المكان المقفر، إلى هذه الصحراء.
ويشيد بيوتا ومرافق خدمية وأسواق، لكن صدقني لم يكن يمضي شهر على البدء في ذلك المشروع حتى يتهافت الناس ويتسابقون على شراء قطعة أرض في ذلك المكان الذي عدوه مقفراً ونائياً، وترى الحياة دبت فيه، وانظر اليوم إلى منطقة الراشدية مثلا... وأنا أول من سكنها سنة 1968 بقطعة أرض من الشيخ راشد.
ـ لنتحدث الآن قليلا عن الشعر، بو شهاب، أنتم عائلة معروفة بشعرائها، ولصحبتك الطويلة للشيخ راشد رحمه الله، ترى هل كان يحب سماع الشعر وما موقفه من الشعر والشعراء؟
ـ كان الشيخ راشد يحب سماع الشعر، وربما لا يعرف الكثيرون أنه كان يحفظ شعرا للمتنبي، بل وكان دائما يردد بيتا للمتنبي لا أنساه، يقول فيه:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي
وأنثني وضياء الصبح يغري بي
كان دائما يردد هذا البيت خاصة عندما كنا نرافقه في رحلاته، وكان يرتاح ويستأنس في رحلات القنص، فقلت له يوما وبعد ان أحسست انه معجب بشعر المتنبي وخاصة هذا البيت، قلت ممازحا اني (سأسرق) بيتاً للمتنبي وأنشئ قصيدة على منواله.. فقلت هذه القصيدة على منوال ذلك البيت:
زرت خلي في غياهيب الظلام
قبل لا يغري بي الصبح المنير
وانثنيت أمشي برفق واحترام
لا يشوفني من العالم بصير
يكشف أسرار مضت لي من عوام
يصبح وصوله علي م العسير
دون شوفك مول ما ياني منام
لا تعذبني وأنا بك مستجير
كنت في رحلات القنص أعدها عليه هذه القصيدة (ما أوردناه هنا جزء منها والقصيدة جميلة، رقيقة وطويلة) وكان يرتاح لسماعها. وكانت (سيرت) أي رحلة الشيخ راشد شهر للقنص.
ـ متى جاءك الشعر؟
ـ جاءني الشعر منذ الصغر.. ولي الكثير من القصائد المتبادلة مع الشيخ زايد رحمه الله، ومنها هذه القصيدة التي يخاطبني فيها شعرا بهذه الأبيات.. عندما يقول:
يا حمد كيف اختفى صوتك
عقب ما أنت تزفر الونة
والمزامل قامت تفوتك
والهوى تركته وفنه
المها مرن على ورودك
يرتعن ويعلن بثنه
لا تحرم النفس من زودك
ولا تخلي النفس في هنه
وأنا أكثر قصيدي مع الشيخ زايد الله يرحمه، وقد رددت على تلك القصيدة وقلت:
مرحبا يا حي ببيوتك
لي لفت بأشعار موزونة
عد ما نسمع ندا صوتك
أو عدد اسمك يذيعونه
والقصيدة مشهورة ومنشورة في ديواني.
ولي العديد من القصيد مع الشيخ زايد الله يرحمه منشور في دواويني.
ـ حياة الشيخ راشد الله يرحمه معروف انه كان يستشير من حوله ومن ذوي الرأي والمشورة والخبرة كل في مجال اختصاصه في المسيرة التي بدأها في تطوير دبي، فمن تذكر من أولئك الرجال؟
ـ كان عنده ما يمكن ان نطلق عليه مجلس الشورى، مثل حياة علي بن عويس وحامد بن ماجد الفطيم وعنده حياة احمد بن غرير وكثيرون من تجار دبي، كان الشيخ راشد يستمع لآرائهم ويخبرهم بالذي ينوي فعله، ويتبادل معهم الرأي ويستثيرهم لأنهم أناس تجار ولهم خبرة ومكانة، فكان يستأنس بآرائهم بكل ما من شأنه تطوير البلاد.
قصائد مغناة
ـ ألم تشارك في رحلات الغوص؟
ـ لا، لم أشارك ولم أسافر في الخشب (سفن الغوص)...
ـ سافرت قديما على ركاب (جمال)؟
ـ نعم، حتى كنت أرعى البوش (الجمال) وأنا صغير..
ـ ألم تقل شعرا في البوش؟
ـ سوينا قصيدة في الهباب، منطقة الهباب في دبي، وكنت قد مررت على صديق يدعى بن روية وصديق يدعى سيف بن ثالث، كان يريدني أن أزوره واتقهوي وأرى ما عنده، فقلت من وحي ما رأيت من ود وترحيب :
ما أخير منازل سكن الهباب
بدو تثني بالترحيب
ناس لهم شهرات ورحاب
وقلوبهم شرحة من الطيب
ـ هل غُني لك شيء من القصيد، فقصيدك عذب، سهل التلحين؟
ـ نعم، غنى لي علي بالروغة...
ـ وما أول قصيدة غناها لك، هل تذكرها؟
ـ أول قصيدة غناها لي بالروغة كنت، أقول له فيها:
أبو حسن يا مطرب الجيل الجديد
يا مولع قلب أضناه الغرام
ذكرتنا يا الأخو بما نحيد
عهدنا الماضي وها ذيك الأعوام
وبعدها غنى لي... قصيدة أخرى.. أقول فيها:
أرعى نجوم الليل في نيراني
كلمن إفل نجم رقبت الثاني
ـ عرفنا ان هذه القصيدة بالذات لها مكانة عندك.. فما السبب ؟
ـ أنت تعرف أن الشيء الطيب إن كان قصيداً أو غير قصيد لا ينبع إلا عندما يرى شيئا طيبا.. أو وجها طيبا، أو تعاملا طيبا من أحد...
ـ ألا تذكر شيئاً، موقفاً معيناً حدث مع بالروغة فهو من المطربين الأوائل في الإمارات؟
ـ أذكر انه زارني في يوم من الأيام وكنت في المزرعة، فقلت: خير بو حسن، قال: جئتك ابغي قصيدة. قلت له: أنا بدأت بالفعل بقصيدة فتعال لنكملها، وبالفعل جلس عندي إلى أن أكملت القصيدة، فقال: هذه هي القصيدة التي أرغب بتلحينها وغنائها، وهذه القصيدة التي غناها هي:
أبليت عمري في هواكم
وأيقنت إنكم لي ملبين
ـ في شعرك للذي يطّلع عليه، استعارات كثيرة من القرآن الكريم، سواء في المفردات أو التشبيهات، هل لاحظت ذلك؟
ـ الشعر النبطي كما تعرف أيضا له أوزان كالشعر الفصيح، وكلامك صحيح، أنا احب ان أطعم شعري بمفردات من القرآن، كما تلاحظ في هذه القصيدة مثلا التي أقول فيها :
نعس العيون وسمر الأهداب
وأحداقهن كنهن غرابيب
خمص البطون الكنس أكعاب
أتراب في سنن ولا ريب
ـ يبدو أن علاقتك منذ الصغر بالقرآن...
ـ نعم، فقد قرآنا القرآن ودرسناه وأنا إلى اليوم حين أقرأ القرآن ويشكل علي شيء من المعاني، أراجع وأبحث في التفاسير، وهذا بالطبع زاد من حصيلتي الشعرية، فكلمة الكنس والأتراب والأكعاب .
وما إلى ذلك من الكلمات ذات المعاني الجميلة هي كلمات من القرآن. فالقرآن كنز ولا بد برأيي لكل شاعر أن ينهل منه.. فهو كلام رب العالمين، وعلاقتي به بدأت منذ الصغر كما قلت لأني تربيت في بيت علم وكان الوالد يحضنا ويشجعنا على تعلم القرآن والأمور الشرعية وهو نفسه كان عالما شرعيا.
ـ من غير علي بالروغة من المطربين والمطربات غنى من شعرك؟
ـ غنى لي العديد من المطربين والمطربات مثل ميحد حمد، ورجاء بلمليح، وأريام، ورنا فاروق، وفاطمة زهرة العين، وآمنة، وشهاب حمد وغيرهم..
ـ أكثر شيء أحببته في حياتك..
ـ أكثر شيء أحبه هو طلعات البر..
التربية قديماً وحديثاً
ـ ماذا تقول في الجيل الحالي؟
ـ بصراحة الأول، كان هناك تربية عدلة والتعليم قليل، اليوم التعليم موجود ولكن التربية لك عليها، قديما عندما ترى ولدك يمشي مع شخص سلوكه غير سوي بتقبضه (تمسكه) وتهزبه وتفتن عليه (توبخه)، أي انك تربيه.
وسواء كان ابنك والا من عيال الفريج وحتى لو سار عند أبوه يشتكي تجد أباه يقول له لولا انه رأى منك تقصيراً لم يوبخك، هكذا كان يفكر أولياء الأمور الأول، أما اليوم فمن الصعب ان تلقي منهم من يتقبل منك ملاحظة أو نصيحة لابنه، أما إذا وبخت الولد أو لنقل وجهته بشيء من الجد والشدة.
فيمكن ان يوصلك ولي الأمر المحكمة، ويقول لك لا تتدخل في أمور ابني عكس آباء الأمس الذين كانوا يقدرون تربية الكبار ويعرفون أن تدخلهم هو لصالح الأبناء، وان كانوا ليسوا بآبائهم، وهم يفعلون ذلك بالطبع من حرصهم وخوفهم على مستقبل هؤلاء الأبناء.
اليوم اختلفت نظرة هؤلاء الأبناء، واختلفت معها المعايير واختلفت طرق تقييم الآباء لأبنائهم. اليوم الأبناء حين يعودون من المدرسة الآباء لا يرونهم، يختفون، لا تدري أين يذهبون، لذلك ينبغي على الآباء أن يعلموهم وينصحوهم ويأخذوهم إلى مجالس الكبار ليتعلموا (سنع الأول) أي العادات والتقاليد والمعاني الأصيلة .
وكيف يتحدثون ويزيدون في معارفهم، فهذه المجالس مدارس عملية، فكل من يأتي إليها من كبار السن ومن الشخصيات وحتى الزائر العادي لا بد أن يستفيد منه الولد بمعلومة ما تفيده في حياته. فالدراسة في المدرسة للعلم وزيارة المجالس فيها تربية، ومحافظة على تراث الأولين وقيم الأصالة التي تربوا عليها.
ـ الخطأ إذن ممن برأيك؟
ـ الخطأ من الأب، فهو المربي، قد يكون صرف على تعليم أبنائه، ولكن التربية مهمة وهو أساسها واليوم المغريات بالنسبة للأبناء كثيرة، فيجب أن ينتبه دائما ويذكر أبناءه عن الوقوع في الخطأ والزلل.
ـ لم تتكلم عن حياة الوالد رحمه الله!
ـ كان الوالد عالم دين معروفاً، حتى كان حافظا للقرآن ودارساً للعلوم الشرعية، وربانا تربية الحمد لله شرعية، كان يعرفنا بالحلال والحرام، ويحبب إلينا قراءة القرآن وحفظه.
ويعلمنا ويعلم غيرنا أمور الدين، لكنه كان لا يرغب أن يمسك وظيفة قاضي، كان قارئا، متعلما. حتى عندما كنا نخرج مع حياة الشيخ راشد رحمه الله في رحلات القنص كان يعتبر هو الذي يفتي ويقضي، لكنه كما قلت لم يكن يرغب أن يمسك منصباً رسمياً كقاضي شرعي.
ـ تكلمت عن تربية الجيل الجديد، فهل لك قصيد في النصح لهم؟
ـ نعم اذكر مرة سافرت الهند، ولي هناك بيت ولنا مصالح، سرت ابحث عن شخص ذكروا لي انه يقيم في فندق هناك، وعندما جئت موظف الاستقبال وسألت عنه وكان معه جماعة، قالوا لي انه هناك داخل، قلت : وين داخل ؟ قالوا جالس داخل المقهى الليلي. صراحة عصبت وغاظني الكلام، فنظمت من وحي ذلك الموقف هذه الأبيات...
أسميه درب الرذالة
يقضي على الريال
ويشوف كل أعماله
زينه والها مجال
ويشين حتى جباله
يازم شروى السبال
وتروح كل أمواله
لو مصدرها حلال
النفس هي جتاله
ان خرطت الحبال
در بهاع الحمالة
لا تعطيها مجال
ترميك اويه الزبالة
وتوطاك وطي نعال
حكم عقلك عدالة
فكر ودير البال
قلد أهل الكمالة
لا تطالع الأنذال
لي يساير الحثالة
ما يطرى بالكمال
لو أصله من سلالة
وتضرب به الأمثال
الخير كلن قاله
ما شي عليه أشكال
أبغيكم لليمالة
من واجبي يا ريال
اكتب هذه المقالة
ود ابين الأحوال
يا قارين الرسالة
إلكم قدر وإجلال
محد كامل كمالة
ماشي فيه يقال.
إلا رب الجلالة
لي قدر الآجال
واحد نرجو نواله
في كل ها الأحوال
وفقنا للعدالة
واحفظنا م الميال
وعلى النبي وآله
صلوا عد الرمال
وقد عديت هذه القصيدة على الشيخ زايد الله يرحمه وأمر في وقتها بنشرها في الصحف فنشرت.
بن يدعوه
؟أنتم كما هو معروف عائلة شاعرة، تضم أكثر من شاعر...
ـ نعم، عندك الوالد الله يرحمه كان شاعرا بالفصيح وبالنبط، وأخي محمد شاعر كبير ومعروف توفي رحمه الله، الوالد له شعر فصيح اذكر منه هذا البيت الذي يقول فيه:
رعى الله الركائب حيث سارت
ولقاها المعونة والمثابا
ـ ما الميزة التي امتاز بها الشيخ راشد رحمه الله من خلال الفترة الطويلة التي قضيتها معه.. ميزة خاصة به؟
ـ ميزة الشيخ راشد أنه كان متأنياً في الأمور، ولا يستعجل في حكمه على الناس، حتى لو جاءه شخص يشتكي من شخص آخر، وتكلم بكل ما عنده عن ذلك الشخص سلبا، فهو يستمع له بهدوء.
ويدعه يسرد ما عنده، ولا ينفعل على ذلك الشخص المذكور، فقط كان يقول لمحدثه، ارجع لي بعد يومين، أو بعد فترة، وخلال هذه الفترة هو يسأل ويتخبر عن الرجل، فان كانت مقالته صحيحة حل الأمور بما يرضي، وان كان ذلك الشخص كاذبا فيما قاله فلن يسمع له بعد ذلك اليوم مقالة في حياته...
ـ ما الأشياء التي استفدتها من حياة الوالد الله يرحمه...
ـ أشياء كثيرة، مثلا علمني الوضوء والصلاة وعرفني الشيء الذي يضرني والذي يسرني، استفدت كثيراً منه وخاصة ما يتعلق بعلوم الشرع، ودائما كان يأخذنا معه لزيارة أهل العلم والصلاح.
ـ أنت شاعر ومن عائلة شعراء كبار، فبمن تأثرت في شعرك؟
ـ أنا أكثر شيء تأثرت بقصيد بن يدعوه، الشاعر المعروف خلفان بن يدعوه، كما تأثرت بقصيد بن حميد وقصيد بن زنيد الشاعر محمد بن زنيد، وعقب تأثرت بقصيد سالم الجمري كما تأثرت بقصيد أخي محمد... وكلهم شعراء كبار.
ـ على طاري أي ذكر الشاعر الجمري هل لك قصيد مشاكاة معه...
ـ نعم لي قصيد معه الله يرحمه، وكان قد أرسل لي أبياتا عن عربانه أي ناسه وأيامه بعد أن كبر في السن يقول في مطلعها:
هب النسيم وذكر القلب ما طاف
وقت مضى لي مع زين التواصيف
فرددت على قصيدته بهذه الأبيات...
حي الكتاب وحي قولك في الأصحاب
يا مرحبا به عد سحب مراضيف
وعداد ما ذعذع من الغرب زفزاف
وعداد ما طير لعى في المصاييف.
عمار السنجري

