من الطبيعي أن نجد لدى كل أديب مكتبته الخاصة، ينهل من معارفها، يستقي الحكمة من سطورها، ويصقل ذاته بحبر كلماتها. لكن ما وجدناه عند الأديب والقاص محمد المر بمثابة حياة داخل حياة، وولادة لا تتوقف عن مباهج المعرفة.

فهي مكتبة تفرد ظلالها الوفيرة على جميع مناحي القول الإنساني بعرفانه وبرهانه وبيانه.. لا تأتيك الرجفة من اصطفاف الكتب وتراصها المنهجي، بل ذلك الهدوء الحكيم الذي يقود زينتها الاشراقية وتصنيفها المدروس.لا تكل العين من معانقة موضوعاتها، ولا تمل اليد من تقليب تفاصيلها، ولا تهدأ المفاجآت من مباغتتك خلف كل فترينة تتباهى وعناونيها السخية.

حين تحدق في عيني محمد المر، وهو يشرح حكايته مع مكتبته، تجد عشقاً يرسل بوقار لسيدة المكان، وتلحظ أبوة تسري في أنامله وهي تسحب لؤلؤة من كنز مكنون.. عرفنا سر مخابئه.

من الطريف أن يكون الحبس الاجباري هو الوقود الذي أشعل رأس المر بنيران المعرفة، فوالده الذي لا يقرأ حرمه من شقاوة الطفولة المعتادة، فاصطحبه عنوة إلى مجالس أهل العلم ومكتباتهم حتى انغرس الولد في عالم القراءة، وبدأ يشعر بلذة الكتاب الذي لم يفارقه حتى يومنا هذا.

ولأن البدايات كانت كثيفة على عقل بريء وقلب غض لا يتذكر محمد المر أول كتاب جرفه إلى عوالم القراءة المتشابكة بتنوعاتها الفريدة.

لكن مع مرور الأيام تكونت نواة صغيرة زخرت بأطايب التراث العربي الاسلامي، ثم جاءت المحطة الكبرى التي فتحت أمام المر عوالم كثيفة من المعارف إثر ذهابه للتعلم في جامعة سيراكيوس بمدينة نيويورك،.

حيث تعرف على آماد فكرية لا تحد بلغاتها الأصلية. ثم اكتشف أمهات الكتب العربية في مكتبة الجامعة، ومن هنا بدأت فكرة التراكم، فأخذ يقتني كل كتاب تقع عليه عينه لكن سرعان ما لاذ محمد المر بحكمة «العمر قصير» .

وأن على المرء أن يعرف ماذا يريد من القراءة، خاصة بعد أن تضخمت مكتبته إلى ما يقارب العشرة آلاف كتاب واستبدت الحيرة بالرجل من هذا النهر المعرفي الذي كاد ان يغرق المكان.. فواتته فكرة «زكاة الكتب» فأهدى أعداداً كبيرة منها إلى أصدقائه، بعد أن أدرك تماماً ماذا يريد.

وفي هذا السياق يقول المر: لقد أطلقت هذا الشعار «زكاة الكتب» حتى لا أحشر نفسي في مشاكل إعارة الكتب، وأكون المبادر بقراري الخاص بمنح الكتب.

وبعد إفاضة في هذه النقطة اكتشفنا أن المر يضع عينه أولاً على ضخ المكتبات العامة، ايماناً منه بدورها في بناء عقول الشباب وامتصاص فائض وقت فراغهم. محمد المر لا يعطي كتبه لمجرد كثرتها لديه، بل على أساس تجاوزه المعرفي لمحتوياتها، أو عدم تلبية مطالبه القرائية المتجددة.

وبدأت الرحلة التي تحتاج صفحات عديدة لتغطية معارجها، أخذنا المر إلى ركن قصي من المكتبة، مكان خجول ومكتنز بالدهشة والغرابة..

فوجدنا كتباً لا تخطر على بال، ومواضيع تضج بتاريخها الشهي.. فهذا كتاب.. «المعلم فرارد في المعادن النافعة لتدبير معايش الخلايق» ترجمه بدوي رافع الطهطاوي عام 1248ه، وذاك كتاب «الدراسة الأولية في الجغرافيا الطبيعية» ترجمة أحمد افندي الرشيدي المصري عام 1301ه.

وتتهلل الذاكرة بقطاف المعرفة الدافئة والمطرزة بقدرات خصبة حين نفاجأ بكتاب «الغريب في الغرب» للمؤلف ميخائيل اسعد رستم الذي طبع في نيويورك عام 1895، وهو كتاب نفيس في صياغته، مؤثث بإمكانات شعرية نظمية، حيث جاب المؤلف ربوع أميركا ليضع خلاصة رحلته في قالب شعري مبهر وعجيب.

وتتهادى الخطوات مع صاحب المكتبة وكأننا بمحاذاة بحر يمتعنا بأمواجه الزرقاء، مجلدات شعرية، وأدب رحلات، وكتب مهداة تجسد أصول الصداقة، وتاريخ منطقة الخليج ومسرحيات عالمية مترجمة، وروايات كلاسيكية.

وكثير من الزخم المعرفي لكن ثمة وقفة مليئة بالامتنان أمام عظيم العربية «أبو الطيب المتنبي» عندها كشف المر عن شغفه وولعه بهذا الشاعر الضخم، فأفرد له فاترينة كاملة تحوي كل ما كتب من شروحات وحواش واضاءات عن حياة المتنبي وعبقرية لغته الشعرية.

وفي الطرف الآخر من المكتبة يظهر محمد المر محبته الخاصة واهتمامه الدؤوب بثقافة العين حين نجد مجلدات أجنبية ذات ورق فاخر مصقول يتعاطى مؤلفوها مع التراث العربي بأساليب فنية بارعة مثل الرسام الفرنسي ادموند دولاك الذي استوحى رسوماته الاسطورية.

وخطوطه الموحية من رائعة «ألف ليلة وليلة» فنجد الجواري وحسان القصور والغلمان وطقوس البذخ والترفيه المفرط وقد ترجمت إلى لوحات ابداعية لا تقل فتنة عن جماليات النصوص.

وبدا هذا الركن كشفاً آخر عن ذكاء محمد المر في مقتنياته وانحيازه الجميل لكل ما يشرِّف ثقافتنا العربية والاسلامية، ومدى إيقاعاتها المتناثرة في كافة الفنون العالمية.

وفي دردشة عن علاقته بالمكتبة البصرية يرى محمد المر أن استخدام التقنيات في التثقيف يقلل كثيراً من الجهد المبذول في التحصيل، فإذا أراد المرء على سبيل المثال البحث عن كل ما قيل شعرياً عن البخل فإن ضغطه «كليك» .

واحدة كفيلة بإنجاز هذه المهمة مشيداً في هذا الصدد بالعمل الجبار في موسوعة المجمع الثقافي، لكن هذا لا ينال ـ حد قوله ـ من المكانة الأثيرة للكتاب، فقراء الروايات.

والسير والقصص لايمكن الاستمتاع بها عبر جهاز الكمبيوتر، لأنها لا توفر طقوس القراءة المطلوبة مثل الاسترخاء وسماع الموسيقى والاضواء الخافتة والمكان المحبب للاطلاع.

وعن السر الذي فجرّ في محمد المرُ هيامه بالفنون يقول: ان المجلات المصرية القديمة فتحت عينه على عالم اللون والشكل، فعن طريق مجلة الهلال عرف فنانين كبارا مثل رافائيل ومايكل أنجلو، ودافنشي وغيرهم، بفضل المستنسخات المصاحبة لهذه المطبوعات.

وما ساعد محمد المر على تذوقه هذه الفنون هو دراسته لبعض المواد الاختيارية بجانب دراسته الرئيسية عن الادارة العامة فعكف على تلقي فصول في تاريخ الفنون العام، وتاريخ الفن اليوناني، وتاريخ فن الروكوكو، بالاضافة إلى زياراته المتعددة لمتاحف باريس وميونيخ وفيينا.

ويواصل المرُ الحديث عن تشعب اهتماماته فيحكي عن عشقه للطوابع والتاريخ البريدي، ولأنه يدرك ماذا يريد من هذا الجانب، قام بالبحث والتنقيب والتركيز على منطقتين أثيرتين إلى قلبه وهما الامارات وسلطنة عمان، فاستطاع خلال عدة سنوات أن يكوّن مجموعتين متمايزتين في هذا المجال..

بدليل ان مجموعة سلطنة عمان تعد إحدى أهم ثلاث مجموعات على مستوى العالم، حيث فازت مؤخراً في معرض بمدينة سيدني الاسترالية بجائزة الفرنيي العالي. وكذلك فن الخط العربي أخذ نصيبه من حديث المر حيث خصص له مكاناً في معرضه قيد التنفيذ.

ويشير المر إلى أن امارة دبي اصبحت اهم مراكز جذب أعمال فناني الخط العربي، حيث تقام سنوياً ستة أو سبعة معارض، وهذا يساعده في سهولة اقتناء الاعمال التي تروي ظمأه لهذا الفن الأصيل، اضافة إلى مجلة حروف عربية التي تصدرها ندوة الثقافة والعلوم وتزخر بكل فنون الحرف والزخرفة العربية.

ونختم زيارتنا لعوالم محمد المر المعرفية، بأن الرجل يتعامل مع مقتنياته الفنية كحبه للقراءة، فهو يخصص وقتاً للترويح عن نفسه بالدخول في خلوة خاصة مع لوحاته وانتيكاته وكنوزه المرئية.

خرجنا من منزل محمد المر محملين بحصاد لاتتسع له السطور، خرجنا وقد فاضت علينا الغبطة بحكاية، رجل نذر ماله وروحه وعقله لثريات تقدح أضواءها المعرفية كل جدران بيته. لا عجب لورددنا مع الشاعر:

لا يعرف الشوق إلا من يكابده

ولا الصبابة إلا من يعانيها

مجدي أبو زيد