ينطلق في التاسع من يناير الجاري مشروع «الثقافة الأمنية»، ويتوجه إلى مختلف الشرائح الطلابية وترعاه وتنفذه الإدارة العامة لشرطة الشارقة، ويأتي هذا البرنامج في إطار مبادرات شرطة الشارقة، حيث يهدف المشروع للمساهمة مع مختلف قطاعات المجتمع لإثراء ثقافة الأبناء في مختلف المراحل السنية والدراسية بالمعلومات والمعارف، التي تسهم في الحد من المخالفات والسلوكيات التي تؤدي الى نتائج سلبية تؤثر على الأبناء وعلى المجتمع.
وضع المشروع عددا من الأهداف على أجندة التنفيذ من أهمها توعية الأجيال الجديدة في سنوات الدراسة المختلفة ضد ارتكاب الجرائم بجميع أنواعها، كما يستهدف المشروع رفع الحد الأدنى للثقافة الأمنية لدى هذه الفئة إلى الحد الذي يمكنها من التعامل مع المتغيرات بثبات وقوة، مع التمسك بالسلوك القويم واحترام القانون.
استقرار المجتمع
في البداية يؤكد رجل الأعمال جرش محمد السويدي أن الثقافة الأمنية جزء لا يتجزأ من الرسالة التعليمية التي يتوجه بها المعلم إلى تلاميذه، ويضيف أنه تلقى هذا النوع من التوعية الأمنية عندما كان طالباً في المدرسة من خلال مناهج عمل فرق الكشافة، التي تعلم من خلالها الكثير من مكارم الأخلاق ومساعدة الآخرين عند حاجتهم إلى المساعدة، ويشير إلى أن الوعي الأمني له دور كبير في إنشاء أجيال تعي جيداً دورها في استقرار المجتمع والحد من الجريمة، ومساعدة الأجهزة الأمنية على كشفها إن حدثت. ويضيف السويدي أن الاهتمام بتوجيه النشء إلى هذه الأمور في الصغر سوف ينعكس على طبيعة أدائهم كرجال كبار فيما بعد، ومن الطبيعي أن يأتس الغرس في الصغر بنتائج ايجابية في الكبر، ومع الإجراءات التوعوية التي تقوم بها شرطة الشارقة في مختلف قطاعات المجتمع، سيكون الأمر أعمق أثراً وأكثر إيجابية إذا وضعنا أبناءنا طلاب المدارس ضمن مشروع بهذا الحجم للتوعية الأمنية.
ويؤكد السويدي على اختلاط المفاهيم لدى البعض من جيل الشباب نتيجة التأثيرات السلبية للتعرض لبعض وسائل الإعلام ولمشاهدة أفلام العنف، إلا أن التوعية في هذه السن المبكرة كفيلة بحماية الأجيال المقبلة من خطر الانفلات أو سوء السلوك، ولابد من نشر هذه الثقافة الأمنية على كل فئات المجتمع من شباب وفتيات وأطفال، ليس فقط من خلال المدارس، ولكن لابد أن تتفق كل المؤسسات المجتمعية الفاعلة على تقسيم الأدوار فيما بينها لتحقيق الأهداف المنتظرة من توعية النشء، على أن تظل المدرسة هي الوعاء الأهم والأفضل الذي يجب أن نصب فيه الجرعة التوعوية المناسبة للأجيال الجديدة لنضمن الوصول إلى النتائج التي نريدها، مع حسن اختيار الأشخاص المخولين بنقل الأفكار إلى التلاميذ الصغار حتى يمكن لهؤلاء الوصول بالأفكار الصعبة والمركبة إلى عقول الصغار فيؤتي البرنامج ثماره التي نريدها.
تضافر الجهود
ويقول عبد الفتاح عبدالله مساعد مهندس مدني في إحدى الشركات العقارية، إن اضطلاع شرطة الشارقة بمهمة من هذا النوع يؤكد وعي القائمين عليها بدورها الاجتماعي المنتظر في الوقاية من الجريمة، ويضيف أن أولى الخطوات في طريق هذه الوقاية هو ما أدرجته شرطة الشارقة في برنامجها من بث الثقافة الأمنية في نفوس التلاميذ في مراحل التعليم المختلفة، ولكن من الضروري أن نتفهم أن هذا الهدف لا يتحقق فقط من خلال شرطة الشارقة ولا من خلال أولياء الأمور فقط، بل يجب أن تتضافر جهود المؤسسات المجتمعية مع بعضها البعض لتحقيق التوافق في النتائج والمؤسسات المقصودة هنا هي البيت والمدرسة والمسجد والنادي وكافة المجتمعات الشبابية، لأن اليد الواحدة لا تصفق أبدا، وما قد تنجح شرطة الشارقة في توصيله إلى فئة الشباب التي تستهدفها من خلال هذا البرنامج المتكامل، ربما يضيع هباء إذا لم يقم أولياء الأمور بتأصيله في نفوس الأبناء، كما أن غياب المسجد والمدرسة عن القيام بالدور المنتظر من كل منهما لن يؤدي إلى تحقيق الأهداف المرجوة من هذا البرنامج على المدى البعيد، ولا ننسى أن تلاميذ اليوم سوف يتحولون إلى رجال في الغد، والقيم التي نسعى لزرعها في يقينهم اليوم سوف تكبر معهم إذا ما تحولت إلى قناعات، أما إذا لم تصل إلى هذه الدرجة من التأثير فسوف تتلاشى بمجرد انتهاء الفترة الزمنية المخصصة للبرنامج، ثم تعود ريما إلى عادتها القديمة وتضيع جهود التوعية هباء.
زمام المبادرة
أما المهندس وائل محمود فيرى أن شرطة الشارقة دائماً ما تأخذ زمام المبادرة إلى الأعمال التي تفيد المجتمع وأفراده، ويضيف أن مشروع الثقافة الأمنية أحد المشروعات التي استقبلناها بمزيد من التفاؤل والتأييد، ليس فقط لأنها تستهدف توعية أبنائنا التلاميذ، ولكن أيضاً لأنه مشروع حضاري يعكس مدى الاهتمام بإعداد الفرد إعداداً جيداً منذ الصغر، حتى يمكن للمجتمع أن يستفيد منه كعضو صالح عند الكبر، ويضيف أن التوعية المباشرة الصادرة من رجل الأمن إلى الطالب بصورة مباشرة يمكن لها أن تحقق النجاح المطلوب لأنها تصدر من متخصص في المجال، وفي نفس الوقت هو شخص يتمتع بمصداقية كبيرة لدى الجمهور الذي يتوجه إليه برسالة التوعية كما يستفيد رجل الأمن من تقييمه للتجربة في التعرف على مدى استعداد التلاميذ لاستقبال مفردات التوعية والعمل بها، مما يساعد على توفير رد الفعل الذي يوجه بتعديل الحملة بما يتناسب مع مفاهيم الصغار واستعداداتهم الإدراكية.
ويشير المهندس وائل إلى اختلاف الطلاب في طريقة استيعاب المشروع وأهدافه، لذلك يقترح أن تختلف الرسالة التوعوية الموجهة إلى التلاميذ باختلاف الفئة العمرية، والمستوى الثقافي الذي ينتمي إليه الطالب، خاصة وأننا نعلم أن الدولة تستوعب العديد من الجنسيات التي تتحدث لغات مختلفة وتنتمي إلى مفاهيم ثقافية مختلفة، مما يفرض اختيار اللغة والطريقة التي يتوجه بها المشروع إلى كل هؤلاء لضمان تحقيق الأهداف التي يسعى إليها. ويشير إلى أن هذا المشروع جاء في وقته تماماً، حيث يفترض بنا بناء دفاعات معنوية ضد العولمة الثقافية التي تحاصر أبناءنا من كل جانب وتحثهم الأفكار الغربية الواردة من المجتمعات المنفتحة على اعتناق الجانب السلبي من مفهوم الحرية، وليس الجانب الإيجابي الذي نشأنا وتربينا عليه، هذه الدفاعات المعنوية من شأنها الحفاظ على الأبناء بعيداً عن مجال الجريمة، وفي مأمن من الانحراف السلوكي والأخلاقي الذي نراه يملأ بعض المجتمعات من خلال ما تبثه الفضائيات، ويضيف أن نجاح شرطة الشارقة في تحقيق الأهداف المرسومة لهذا البرنامج مرهون بالطريقة التي يتبعها القائمون عليه من حيث حسن اختيار المضمون الذي يتماشى مع مفاهيم الصغار، كما أنه مرهون بتعديل هذا المضمون كل فترة حسب ما يراه القائمون عليه من ضرورات للتعديل يفرضها رد فعل الصغار أنفسهم.
برنامج رائد
ويقول عماد الدين عبد الستار الموظف بقسم الموارد البشرية في إحدى الشركات، إن برنامج شرطة الشارقة للثقافة الأمنية برنامج رائد ويحمل أفكاراً جديدة، وأهم ما في الموضوع هو الاهتمام بمحور الثقافة الأمنية للنشء في هذه المرحلة المبكرة من العمر، وهي مرحلة الدراسة ما قبل الجامعية. ويضيف أن غرس القيم الإسلامية الأصيلة يعتبر أحد أهداف البرنامج التي قرأها في الصحف، مما يؤكد أن البرنامج نجح في التوصل إلى طبيعة المشكلات الاجتماعية، وإلى أن مصدرها ابتعاد البعض من الشباب عن هذه القيم وتبنيهم قيما مخالفة للقيم الإسلامية.
ويرى عماد الدين أن البرنامج سوف يحقق نتيجتين تترتب إحداهما على الأخرى بالضرورة، الأولى هي حماية الشباب من الانحراف السلوكي نتيجة عوامل ثقافية خارجية، ترتب عليها ظهور انحرافات في شكل اعتداءات عنيفة أو الإساءة إلى المعلم، والنتيجة الثانية هي حماية المجتمع وأفراده من السلوك السلبي والمنحرف، ونحن نعرف أن أفراد المجتمع يعانون من سلوكيات المنحرفين، علاوة على أن أسرة المنحرف نفسه هي أول المتضررين من انحرافه، خاصة إذا تم اتهامه في جريمة محددة وعوقب بالسجن. ويضيف أن الشرطة هي أهم الجهات دراية بمشكلات المجتمع الأمنية وخطورتها على أفراده، كما أنها لا تزال وستظل الجهة الأمثل لتقييم الوسائل الأمثل لمحاربة الانحرافات السلوكية التي تظهر من آن لآخر، كما أنها الأقدر على وضع الحلول لهذه الانحرافات بالطرق التربوية والإصلاحية، وفي حالة فشل هذه الطرق فهي أيضاً الجهة التي تملك تطبيق القانون على الخارجين عليه.
منهج علمي
ويرى زاهر بيطار، صاحب محل بالشارقة، أن البرنامج الذي أطلقته شرطة الشارقة يتناسب مع الضرورات التي يفرضها عصر الانترنت والتليفزيون، والفضائيات التي تتجاذب الأبناء وتسرق اهتماماتهم إلى حد الشغف، ويشير إلى أن الحد من الجريمة لابد أن يتخذ الخطوات والمنهج العلمي الذي تتبعه شرطة الشارقة في مثل هذه القضايا المهمة، ويؤكد بيطار على أن رفع حد الثقافة الأمنية لدى تلاميذ المدارس يعتبر من أهم الأهداف التي تستحق الإشادة، خاصة وأن البرنامج يتضمن مشاركة أولياء أمور التلاميذ باعتبارهم شريكا أساسيا لنجاح البرنامج في بلوغ أهدافه. ويؤكد بيطار على أن اهتمام البرنامج بقضايا الهروب من المدرسة ومحاربة الانحراف السلوكي لدى الشباب وتراجع مستويات الدراسة لدى بعض التلاميذ خاصة بين الذكور منهم يعكس وقوف المتخصصين على أهم المشكلات التي يوجهها الأبناء في هذه السن الحرجة، ورغبتهم المؤكدة في حمايتهم من الوقوع فريسة لهذه المشكلات، ويضيف أن رغبة شرطة الشارقة في بذل العون في توعية الأبناء، يعتبر دوراً تستحق الشكر والثناء عليه كونها شريك لنا في توجيه الأبناء وحمايتهم من الانحراف، علاوة على الاهتمام بترسيخ مفاهيم احترام القانون وطاعة ولي الأمر واحترام المعلم.
محاضرات
أهداف برنامج الثقافة الأمنية
يستهدف برنامج الثقافة الأمنية الذي تطلقه الإدارة العامة لشرطة الشارقة، حماية شريحة طلاب المدارس في المراحل الثلاث من الوقوع في براثن الجريمة بكافة أشكالها، ومن ارتكاب المخالفات بأنواعها، ومن القيام بالسلوكيات التي تتعارض مع مبادئ المجتمع، ومع القيم الإسلامية الأصيلة من خلال المحاضرات التوعوية التي ستقام في عدد من مدارس الشارقة بلغ 21 مدرسة، علاوة على التجارب والزيارات الميدانية للطلاب.
ويتوجه البرنامج إلى ما يقرب من 9 آلاف طالب في مراحل التعليم المختلفة، يمثلون المرحلة الأولى من المشروع، وتم اختيار قطاع التعليم كأحد قطاعات المجتمع التي يتوجه إليها البرنامج بالتوعية، كما يستهدف التخلص من ظاهرة التسرب الدراسي أو الهروب من المدرسة لما لها من تأثير سلبي على المدى البعيد، ومواجهة ارتفاع معدلات الانحراف السلوكي، ومحاكاة العادات الدخيلة على المجتمع والتي تتعارض مع قيمه وعاداته، بالإضافة إلى ضعف القيم المرتبطة باحترام القانون وطاعة ولي الأمر واحترام المعلم. وينطلق البرنامج في التاسع من يناير الجاري في بداية النصف الثاني من العام الدراسي بالتعاون مع مجلس الشارقة التعليمي ويسعى لترسيخ المفاهيم الأمنية لدى الأجيال الجديدة.
خطوة
مبادرة مهمة للحد من الجريمة
تقول الاختصاصية الاجتماعية منى موصلي، إن المبادرة التي اتخذتها الإدارة العامة لشرطة الشارقة المتمثلة في برنامج الثقافة الأمنية، تعتبر خطوة علمية مبتكرة للحد من المشكلات التي قد يتورط بها الشباب، وتضيف أن الاهتمام بتوعية الطلاب خلال المراحل العمرية المبكرة يؤثر إيجاباً على قبول الطلاب لمفردات هذه التوعية، والقيام بتطبيقها تطبيقاً عملياً سليماً خلال مراحل حياتهم المستقبلية.
وأضافت موصلي أن اهتمام أجهزة الأمن بالقيام بهذه المبادرة يضمن لها النجاح في الوصول إلى الأهداف المنتظرة، ولكن على أولياء الأمور يقع دور لا يقل أهمية عن دور أجهزة الأمن، في مساعدة الأبناء على الفهم الصحيح لأهداف البرنامج، حتى لا يتحول الأمر بالنسبة لهم إلى عناد، ويرفضون التجاوب مع الرسالة التوعوية التي يحملها مضمون البرنامج، وبالتالي يجب على أولياء الأمور شرح المسألة بنوع من التأييد إلى التلاميذ والطلاب، وتوضيح الهدف من هذه التوعية، مع مراعاة أن الطلاب في مرحلة المراهقة يميلون إلى رفض النصائح المسداة من الفئات الأعلى مثل المعلم أو المحاضر، ولكنهم قد يتقبلون الأمر إذا تم التمهيد له من أولياء أمورهم.
