يحاول بعض الشباب في دولنا العربية التهرب من الخدمة العسكرية، نظرا لخشونة الحياة فيها، والحرمان من رفاهية الحياة المدنية، والتدريبات القاسية والانضباط الكبير، وخوفهم من التعليمات والأوامر التي لا تقبل النقاش وبالتالي تكون واجبة التنفيذ، وعلى الرغم من أن العمل الشرطي لا يختلف كثيرا عما يجب أن تكون عليه الخدمة العسكرية، إلا أن أبناء الإمارات يتهافتون للانخراط في العمل الشرطي على الرغم من أنه غير إجباري، ولا يكاد يخلو أي بيت إماراتي من رجال الأمن، لما تتمتع به شرطة دبي من سمعة ذهبية على الصعيدين المحلي والعالمي، ولعشقهم الكبير للعمل في المجال الشرطي المليء بالتحديات والمغامرات، والإصابات في كثير من الأحيان، والذي غير أسلوب حياتهم وجعل منهم رجالا حقيقيين قادرين على التعامل مع الأزمات والمواقف الحرجة بمهارة، ومستعدين لمواجهة الأخطار في أي لحظة.

 

شظايا وإصابات

تمكن الوكيل ياسر الزرعوني مدرب قيادة السيارات- من تفريغ مواهبه وطاقاته الإيجابية، واكتساب الكثير من العادات الحسنة كالانضباط، واحترام الوقت والآخرين والجرأة منذ انضمامه إلى الخدمة العسكرية في عام ‬2002، وقال: لطالما تمنيت أن أصبح فردا في شرطة دبي لأنني أعشق المغامرة، وأرغب بتطوير شخصيتي في بيئة نموذجية ومثالية، وأذكر أنني خلال دورة المتفجرات قبل سنتين أصبت في ذراعي بأربع شظايا من الألمنيوم لا تزال حتى يومنا هذا في ذراعي.

حاولت عائلة الزرعوني إقناعه أكثر من مرة بترك العمل في المجال الشرطي لخوفها عليه، ولكنه ظل متمسكا برأيه، وقال: من لم يعش تجربة الحياة العسكرية أو الشرطية فقد أضاع كنزا ثمينا، وتعلقي بعملي ليس من أجل المادة فقط، بل لأني أود أن أكون إنسانا مسؤولا وخدوما ومعطاء لوطني.

وعن طبيعة عمله والصعوبات التي يواجهها، قال الزرعوني: أحرص على حضور الدورات المحلية والخارجية التي تتعلق بفن بقيادة السيارات، وحماية الشخصيات، والمداهمة والمتفجرات، حتى أكون مبدعا ومتميزا في مجالي، وكم أعشق دورة اقتحام القوارب والبواخر لما فيها من مخاطر، ولأنها تتطلب لياقة عالية، وقلبا جريئا وعبقرية في التعامل مع الخصم، وإصرار على إثبات الوجود وتقليل الأخطاء، أما الصعوبات فهي تنحصر في عدم قدرتي على الخروج من شخصية الشرطي في منزلي، حيث أكون في قمة الانضباط غالبا، وأطلب من زوجتي أن تنفذ ما أقوله لها أولا، ثم تراجعني إن أرادت في كثير من الأحيان. وشدد الزرعوني على أهمية جعل نظام الخدمة العسكرية والشرطية إلزامية على جميع الشباب، وقال: التدريبات العسكرية تصنع الرجال وتجعل لهم هيبة خاصة.

 

تغيير جذري

وقال الوكيل سعيد البنا: كنت شخصا انطوائيا وخجولا وغير نشيط على الصعيد الاجتماعي، واتكالي في كثير من الأوقات، ولم يتوقع أحد من المقربين مني أن يغيرني العمل الشرطي، ولكن هذا ما حدث حيث أصبحت قادرا على أخذ القرارات الحازمة في المواقف الصعبة دون تردد، كما تمكنت من تطوير شخصيتي، وتنبهت لأهمية الاعتماد على النفس، والإصرار على تحقيق الأهداف تحت أي ظرف من خلال التدريبات القاسية وطبيعة الحياة الخشنة جدا، وأذكر أنني خلال دورة الإنزال بالحبال أصبت وتم نقلي إلى المستشفى حيث قام الطبيب بخياطة ‬13 غرزة في قدمي، وعلى الرغم من ذلك والعديد من المواقف المماثلة، إلا أنني لم أفكر يوما بالتراجع والعمل في أي مجال آخر، لأن من ينخرط في الحياة العسكرية ويلمس تأثيرها في حياته المدنية لا يستطيع التخلي عنها مطلقا.

أما الوكيل سالم الكتبي، أوضح أن الاستهتار والتصرفات الطائشة كانتا صفتين من صفاته مثل معظم الشباب، وقال: العمل الشرطي يصلح ما أفسدته الحياة المدنية، ففيها يصبح الشاب شخصا مسؤولا، ومحاسبا على جميع تصرفاته وصاحب قرار، كما تتطور شخصيته بأسلوب مذهل لأنه يتعلم من أخطائه وليس من تجارب غيره.

ويعد الكتبي من أبرز مدربي الاقتحام والمداهمة في شرطة دبي، وعن طبيعة عمله، قال: تكمن الخطورة في عدم الالتزام بالتعليمات والإهمال، كما أن اللياقة البدنية مهمة للغاية، وقد شاركت عدة مرات في مداهمة عدد من المسلحين والحمد لله لا توجد أي إصابات في جسدي، لأنني أعتمد في تحضير خطتي عادة على المعلومات الدقيقة التي تتناول جميع التفاصيل المتعلقة بالخصم ودرجة خطورته وأسلحته والمبنى الموجود فيه.

تحت المجهر

مريم المعصم - ملازم ثاني في قسم الدعم والإسناد، شعبة الدعم الفني واللوجستي- ترى أن العمل الشرطي مهم للشابات كما هو بالنسبة للشباب تماما، وقالت: بدأت العمل منذ ‬2006، وقد كنت متحمسة لدخول ميدان العمل الشرطي الذي يترجم محبة الشخص لوطنه، كما واجهت العديد من التحديات والصعوبات، حيث كان عمل الفتاة في هذا المجال بالتحديد مرفوضا من قبل المجتمع نظرا لقسوته، أما اليوم فبإمكان الشابة العمل في المجال المكتبي أو الإداري أو الميداني واختيار ما يناسب طبيعتها.

لم تكن المعصم مهتمة بتنظيم وقتها قبل الانضمام للعسكرية، وقالت: أصبحت تحت المجهر منذ أن عملت في هذا المجال الحساس، وهذا ساعدني على تطوير شخصيتي، وتعلم أهمية الصبر، وكيفية الثبات ومواجهة الخطر، كما زاد إحساسي بالمسؤولية تجاه عائلتي ومجتمعي، وضاعف ثقتي بنفسي. وتشارك المعصم في حماية الشخصيات النسائية الهامة، وعلى الرغم من خطورة الأمر إلا أنها تعودت عليه، وقالت: أنا مستعدة للتضحية بروحي من أجل أن تظل الشخصية في أمان تام، لأن النتائج لا تنتهي عند وفاتي، بل تؤثر على العلاقات السياسية بين الدول. وتدخل الفرحة إلى قلب المعصم عندما يخبرها جيرانها بأنها سبب من أسباب شعورهم بالأمان والاطمئنان، وقالت: أنا أم وزوجي سعيد لأن شخصيتي قوية، وقادرة على تدبير أموري بنفسي، وتحمل مسؤولية المنزل خلال فترة غيابه.

وقالت نعيمة الأشكري - شرطي أول-: يعود الفضل في نجاحي إلى اهتمام والدي بي، حيث شجعني على تعلم قيادة الدراجة النارية قبل أن انضمامي إلى العسكرية، كما غرس في داخلي الجرأة، والانضباط، وحب مساعدة الآخرين، وهذا ساعدني على التأقلم بسرعة مع أجواء العمل الشرطي، والتميز في مجال قيادة الدراجات النارية واستخدام الأسلحة المختلفة.

العمل في مجال حماية الشخصيات مليء بالمغامرات والتنوع كما أنه يقتل الروتين، ويتطلب الذكاء، وسرعة البديهة، والحزم، والصرامة، ولأن الخطر لا يفرق بين الشاب والفتاة، أكدت الأشكري أن التدريبات الميدانية القاسية تعلم البنات كيفية حماية أنفسهن، كما تكسبهن العديد من المهارات، وتجعلهن مختلفات عن غيرهن، وتحفزهن على الاهتمام بأنفسهن أكثر، وعن المواقف التي لا تزال تتذكرها، قالت: شاركت في جولة على دراجتي النارية مع مجموعة كبيرة من الشرطيات في شوارع دبي، وشاءت الصدفة أن التقيت بشقيقي الذي كان يقود سيارته في الشارع نفسه، حيث كانت ابتسامته السبب الرئيسي في وقوعي في حادث مؤلم.

 

قوانين وشروط

يعد الانتقال من الحياة المدنية إلى الحياة العسكرية أمرا صعبا للغاية، لأنه يتطلب الجدية والرغبة، والتخلي عن جميع التصرفات السلبية، والاستعداد للتعلم، وحتى يكون الشاب جزءا من أفراد شرطة دبي، لا بد أن يبقى في كلية الشرطة لمدة ‬45 يوما، حيث يخضع إلى تدريبات عسكرية واختبارات قاسية تعلمه الصبر وتقوي من قدرتهم على التحمل.. هذا ما أوضحه النقيب مسعود إبراهيم رئيس شعبة الشرطة النسائية، وقال: البداية بشكل عام في أي أمر بالحياة تكون دائما صعبة، وتعد كلية الشرطة بمثابة المصفاة، حيث يبقى فيها من يستحق أن يكون فردا من أفراد الشرطة، ويستطيع التأقلم مع أجوائها كالاستيقاظ مبكرا، والانضباط، وتنظيم أوقات النوم، وتنفيذ الأوامر، وبعد مرور فترة الـ ‬45 يتعود الجسم على الروتين العسكري، ولكن هناك من يفضلون الانسحاب على البقاء والاستمرار.

وحول إقبال الشباب على دخول المجال العسكري، قال النقيب: سمعة شرطة دبي وإنجازاتها القياسية والجوائز التي حازت عليها في مجال الجودة، شجعت الشباب في الفترة الأخيرة على دخول الميدان الشرطي على الرغم من أنه غير إجباري لأن الدولة مسالمة وعلاقاتها السياسية مع باقي الدول قائمة على التفاهم والسلام والتعاون، ونحن بدورنا نعلمهم أن العسكرية لا تعني حمل السلاح فقط، بل هي دراسة وعلم وثقافة، والدليل أن معظم أفراد الشرطة من الجامعيين وأصحاب الشهادات العليا.

الأمانة، والعدل، والإخلاص، واللباقة.. صفات أساسية في شخصية أي شرطي، وقال النقيب: المحافظة على حقوق الناس مسؤولية كبيرة، والإهمال في أداء الواجبات، والاستهتار، والغياب المتكرر، والتصرفات الغير لائقة والمهذبة جميعها سلوكيات تؤدي بصاحبها إلى المحاكمة العسكرية.