«لا تصر على حقك في الطريق» هذه العبارة تتصدر كل كتب تعليم القيادة للمبتدئين، كما يضمها الكتيب التعليمي المصور الصادر عن الإدارة العامة لمرور الشارقة للراغبين في الحصول على رخصة قيادة، ولكن على ما يبدو أن هذه العبارة لم تحظ بما تستحق من اهتمام أو حتى قراءة من يقودون مركباتهم على الطرقات غير آبهين بغيرهم ممن يشاركونهم استخدام هذه الطرقات.
والهدف من وضع هذه العبارة على كتيبات التدريب هو توضيح أن قانون السير وقواعد الأولويات تم وضعها لتيسير حركة المرور وتنظيم تدفق السيارات في أمان، بينما يؤكد الواقع أن الأخطاء البشرية أثناء القيادة لابد أن تحدث لسبب أو لآخر، وإذا تمسك كل منا بحقه في الطريق فربما يصادف سائقاً مخطئاً أو غافلاً، وتكون النتيجة غير معروفة، ولكن كارثة ما قد تقع، وقد يروح أبرياء ضحية عدم انتباه أحد السائقين، بينما كان يمكن لآخر أن يتجنب ذلك إذا تنازل عن حقه، وضحى بثوان معدودة وأعطى الطريق للسائق المناظر.
غير مقصود
يؤكد يوسف بو سميط (موظف) على أن قوانين وقواعد السير وضعت لتوفير الأمان لمستخدمي الطريق، وهي تراعي بالضرورة المقاييس والمعايير العالمية المتعارف عليها، ولكن دائماً ما يحدث سوء فهم من جانب أحد السائقين، ربما بسبب انشغاله بغير الطريق وربما لجهله بالطرق إذا كان ضيفاً على المنطقة أو من أبناء إمارة أخرى، يجب علينا استيعاب سوء الفهم هذا لأنه غير مقصود، فلو انحرف سائق مثلاً أمامي بصورة مفاجئة، دون استخدام الإشارات التحذيرية، يجب أن أتخذ الإجراءات الاحترازية اللازمة لعد الاصطدام به، ويجب أن أكون حسن النوايا تجاه السائقين الآخرين المستخدمين للطريق، فلا أفترض في أحدهم تعمد الخطأ ولا العناد.
ويضيف يوسف أن هناك قاعدة عامة تحكم الجميع هي قاعدة السلامة العامة، وفي سبيل تطبيق هذه القاعدة يجب علينا التضحية بالقليل من التنازلات لصالح السائقين غير المدركين لنوع الخطأ الذي قد يرتكبونه من دون تعمد، أما الإصرار على مطاردة السائق المخطئ أو مضايقته بأي صورة من الصور فأعتقد أنه سلوك عدائي مرفوض لأن الخطأ وارد وتفادي أخطاء الآخرين أهم من عقابهم عليها، علاوة على أننا لسنا جهة عقاب وهناك جهات تختص بعقاب السائق المخطئ حال ثبوت خطئه.
سلوك الزحام
يشير يوسف أن القيادة في الشوارع المزدحمة تحتاج إلى الصبر وتفهم احتياجات السائقين الآخرين وأنماط سلوكياتهم والعمل على التفاعل معهم تفاعلاً ناجحاً لتفادي وقوع الحوادث، فعلى سبيل المثال لابد من إعطاء الفرصة للمركبات التي تعتزم الخروج من الشوارع الجانبية إلى الطرق الرئيسية، كما يجب على السائق النظر بعين الاعتبار إلى السائقين الخارجين من المواقف والمتجهين إلى نفس الطريق، فهؤلاء ينتظرون فرصة واحدة لا تتجاوز 10 ثوان لإتمام الخروج، فلابد من التعاون معهم لأنها مواقع تبادلية، أي أننا جميعاً نحتاجها، فإذا كنا الآن على شارع رئيسي فبعد دقائق سوف نحتاج لمن يساعدنا على الخروج من طريق فرعي، وهكذا.
ويؤكد بو سميط على ضرورة الاعتماد على السلوك الإيجابي أثناء قيادة السيارة بإفساح الطريق إلى مركبات الطوارئ والشاحنات الثقيلة التي تحتاج إلى وقت أطول للخروج إلى الطريق ويلزمها بحكم الحجم وقتاً أطول لمجاراة السيارات الصغيرة في سرعتها على الحارة اليمنى، كذلك من السلوكيات الإيجابية على الطريق إعطاء الأولوية لحافلات المدارس التي تقل تلاميذ صغاراً أو حتى كباراً نظراً لأن هذه الحافلات تلتزم بمواعيد تحرك ويلزمها المزيد من المساعدة للوصول إلى وجهاتها في أوقات الدراسة المعتمدة.
تقديم النصيحة
أما علي عيسى الطالب بجامعة دبي فيرى أن القيادة تحتاج بالضرورة إلى الهدوء والالتزام والصبر، كما تحتاج إلى مراعاة احتمال صدور الخطأ من السائقين الآخرين المتوقع وجودهم في نفس الطريق، وهذا الخطأ قد يكون عفوياً ناتجاً عن الجهل بقواعد الطريق، وفي هذه الحالة يجب تقديم النصح إلى السائق بطريقة ودية تعكس الحرص على حياته وعلى سلامة من معه في المركبة، أما إذا كان الخطأ متعمداً ومتكرراً من نفس السائق فلا يجدي معه النصح في هذه الحالة ويجب الاتصال بالشرطة للإبلاغ عن سلوكه المرفوض على الطريق وذلك في محاولة لمنع وقوع الضرر بنفسه أو بالآخرين.
سائقون متهورون
يضيف عيسى أن القيادة تحتاج إلى التركيز والانتباه والتخلي عن الانشغال بأي شيء آخر سواء داخل أو خارج السيارة، إذ أن خطأً واحداً بسيطاً كفيل بوقوع كارثة، وهناك فئة من السائقين المتهورين لا يهتمون بمستخدمي الطريق الآمنين فيقودوا سياراتهم بسرعات أعلى من المعدل المسموح كما يقومون بالإسراف في استخدام الضوء العالي لإجبار السيارات الأمامية على إخلاء الطريق لهم بصرف النظر عن وجود مجال للسيارات الأمامية لتقوم بذلك من عدمه، ويغضب هؤلاء إذا تباطأ أحد السائقين في إخلاء الطريق نتيجة عدم وجود فرصة، وربما يعتبرونه متعمداً ويسلكون ضده سلوكاً عدائياً.
التزام مؤقت
يرى مهندس الكمبيوتر أحمد تركي أن سلوكيات السائقين على الطريق تحكمها عدة اعتبارات أهمها الطريقة التي يتبعها في القيادة في بلاده إذا كان من الوافدين، ويضيف أن البعض يتعلم الالتزام بالقواعد فقط إلى حين الحصول على رخصة القيادة، حتى إذا تحقق له ما أراد، يسلك طريقة مختلفة في القيادة، ويشير تركي إلى وجود فئة من السائقين لا تقبل أن يقوم أحد بالدخول بمركبته أمامه في نفس مساره مهما كان السبب ومهما كانت المسافة التي تفصلهما عن بعضهما البعض، ويشير إلى أن هذه الفئة تتوهم أن السماح باستخدام المسار نوع من الضعف أو التنازل، مع أنهم قد يضطرون لفعل ذلك إذا أراد أحدهم تغيير مساره، ويعتبر ذلك من المشروعات بينما يعتبره لغيره من الممنوعات.
ويضيف تركي أن السلوك العدائي في القيادة قد يؤدي إلى كارثة، ولنا أن نتصور إصرار كل طرف على أولوية الطريق، بالتأكيد النهاية مأساوية للطرفين، أيضاً في حالة إصرار الطرف المظلوم على الانتقام لنفسه من سائق تجاوز مركبته دون اتخاذ الإجراءات المناسبة، سيكون الأمر مأساوياً في نهاية المطاف، وتحدث الخسائر المادية وربما تتجوز ذلك إلى إصابات أو وفيات لا قدر الله.
ويتعجب تركي من سلوك بعض السائقين عندما يشرع سائق إلى جواره في استثمار مساحة تسمح له بالانتقال إلى مساره، فإذا به يزيد من سرعته لمنع هذا السائق من الانتقال، ولا يوجد مبرر منطقي لهذا التصرف إلا أنه تصرف عدائي من سائق جاهل.
القيادة والشخصية
يؤكد هاني سيد مشرف الأنشطة الرياضية بإحدى الشركات الخاصة أن سلوك سائق السيارة خلال الزحام يعكس ملامح شخصيته، فأصحاب الشخصيات المتوترة العصبيون يقودون سياراتهم بنفس الطباع التي تحكم هذه الشخصيات، وربما يستشيط الواحد منهم غضباً بسبب تصرف غير مقصود من سائق مركبة، ومن الممكن أن يثير غضبهم قيام سائق بقيادة مركبته بسرعة بطيئة لا يراها السائق العصبي مناسبة فيتعمد الدخول أمامه والضغط بقوة على المكابح لإخافته من ضرر الاصطدام، وهذا السلوك ينم عن عدائية متناهية وقد يضر بالمركبات ويتسبب بمشكلات عديدة بين فئة الشباب على وجه الخصوص، والأفضل أن نتحلى بفضيلة التسامح مع المخطئ طالما أن خطأه لم يصبنا بضرر، وحتى لو أصابنا بضــــــــرر فمن المنطقي أن نعتبره خطأ غير مقصود ونتعامل معه كأمر واقع وقع من باب المصادفة البحــــــتة غير المدبرة.
ويشير هاني إلى أن الثقــــــافات المختلـــــفة تعالج هذه المشـــــــكلة بحسـب فلسفتها وفهمها لمبدأ التسامح ودور هذا المبدأ في حياتها اليومية، ويضيف أن القيادة هي واحدة من الأنشطة اليومية التي نمارس منها العشرات مثل تناول الطعام والذهاب إلى الدوام وممارسة الرياضة، والغريب أننا نؤمن بالتسامح في هذه الأنشطة اليومية ولكن نتردد في مسألة التســــــــامح مع السائقين مرتكبي الأخطاء.
ويشير إلى أن هذه الفلسفة لا تعني الدفاع عن مرتكبي الأخطاء المرورية، ولا يجب فهمها على أنها دعوة للفوضى، ولكنها دعوة لإحكام العقل وعدم الانقياد للعناد والعدائية أثناء القيادة، ويضيف أن السلامة العامة هي أحد أهداف الحملات التوعوية في مجال المرور، ويجب أن نضعها في الاعتبار عند كل تصرف نقوم به أثناء القيادة، وكذلك علينا التماس الأعذار للسائقين الآخرين الذين قد تقودهم الصدفة إلى موعد طارئ فلابد لنا أن نقدر هذه الظروف ولا نعاندهم بل علينا أن نضع أنفسنا في أماكنهم، ونساعدهم بإفساح الطريق لهم، خاصة يجب علينا مســــــــاعدة المركبات التي تحـمل أطـفالاً، أو الـتي تقـدم خـدمة عـامـة للجمهور.
