لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي على اختلاف أنواعها مقتصرة على التعارف وإقامة علاقات الصداقة، أو البوح بما يدور في النفس، فقد تطورت في السنوات الأخيرة لتصبح جزءا مهما من حياة كثير من الشباب الذين ينشطون فيها بشكل واضح، وقد تعدت حدود العلاقات الاجتماعية نحو تنفيذ الحملات الإعلامية إن صح التعبير، والتي تعبر إما عن سخط البعض من قضايا معينة، أو عن آرائهم في أمور أخرى، ولعل المثير في هذا الموضوع أن كافة هذه الحملات تلقى إقبالا واسعا من الشباب الذين لا يترددون في الانضمام إليها ووضع آرائهم أو تعليقاتهم عليها. والمثير أن هذه المجموعات لم تقتصر على موضوع معين، وإنما تدخلت في قضايا عديدة منها شبابية وأخرى مجتمعية وسياسية، وأخرى لم تبتعد عن المشاهير وشركات السيارات وغيرها، فلم تكن مجموعات عيد الأضحى التي حملت صورا مختلفة للخروف وتهاني ملونه الوحيدة على الموقع، فمؤخرا أطلقت حملة بعنوان «جوزونا» واستطاعت هذه الحملة أن تجمع أكثر من 8000 مشترك ناقشوا قضية الزواج والعنوسة والمشكلات التي تصادف الراغبين في الزواج، وعرفت المجموعة التي يتضح إنها انطلقت من مصر عن نفسها بالقول «عايزين نوصل لعدد مليون مشترك في الجروب ده ... عشان نعمل أكبر حملة الكترونية على الانترنت ... لنشر فكرة تيسير الجواز ومطالبة الأهالي بتخفيف الطلبات الصعبة والاستغناء عن البنود غير الضرورية، وده كله عشان نقلل انتشار ظاهرة العنوسة بين الشباب والبنات».
ورغم قدرة التعليقات المختلفة على دغدغة المشاعر وإدخال الابتسامة في قلوب المنضمين إلى هذه المجموعات، إلا أن ذلك لا يخفي التعليقات الساخطة أو المعارضة. والمتصفح للفيس بوك تحديدا سيجده قد تحول إلى ساحة تفاعل نشطة، فما أن يبادر أي شاب بإنشاء مجموعته حتى تجذب إلى ساحتها المئات من أعضاء الموقع.
ومن جهتنا أجرينا استطلاعا للتعرف على آراء الشباب حول هذه المجموعات التي تنشط موقع الفيس بوك، حيث قال زاهر عبد الله: استخدم الفيس بوك وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات، وأنا دائم المشاركة في المجموعات التي يقترحها علي بعض أصدقائي، ولا أنكر أنني أجد فيها متعة تبعث على الابتسام، خاصة وأن الكثير من التعليقات التي ترد في هذه الصفحات تكون مضحكة بالفعل، ولكنها في المقابل تحمل تعليقات جدية وواقعية فيها الكثير من المعلومات التي نفتقدها. وتابع: أنا لست ضد هذه المجموعات لأن الفيس بوك لم يبتكر لكي يكون جديا طوال الوقت، إلى جانب أن هذه الصفحات تبين مدى قدرة الشباب على التعبير عما يدور في أنفسهم، وقدرتهم على إيجاد تعابير ملفتة للنظر تناسب الموضوع الذي تناقشه المجموعة.
ومن جهته قال مهند عمران: أجمل ما في هذه المجموعات أنها لا تحتاج إلى جواز سفر أو أية أوراق رسمية للانضمام إليها، ويكفي أن تضغط على كلمة مشاركة أو انضمام لتصبح عضوا فيها، واعتقد أن أجمل ما في هذه الصفحات هي الصور والتعليقات التي يتم استخدامها، ولا أنكر أن بعضها يذهب بعيدا في التعبير عن رفضه لما يجري على أرض الواقع، وبالتالي هنا يجد الشباب متسعا من الحرية والوقت للتعبير عن آراء هذه الشريحة التي لا تستطيع الإدلاء به في وسائل الإعلام المختلفة، خاصة وإنه يمكن لمستخدم هذه المواقع التخفي وراء أسماء مستعارة يتم استخدامها. وأضاف: رغم ذلك يجب ألا ننسى بأن الفيس بوك لم يعد فقط ساحة لتبادل الآراء ووجهات النظر، وإنما أصبح ساحة جيدة للتواصل مع الأصدقاء والأهل وتقديم التهاني في كل المناسبات بأية مناسبة ومنها الأعياد، وأجمل ما فيها إنها تفتح أمامنا المجال للمشاركة في المجموعات التي ينشئها مستخدمٍو الموقع من كل دول العالم.
غلاء وإلغاء
بنقرات بسيطة على محرك البحث في الفيس بوك، تمكنك من الوصول إلى اكبر عدد ممكن من المجموعات التي تبحث عنها، وقد كان لعيد الأضحى نصيب كبير منها، ولكل واحدة منها موضوعها وفكرتها وشعارها ودعوتها، فمثلاً حملت إحدى المجموعات شعاراً واضحا باللغة العامية مفاده «عايزين نعيد عيد جميل وكله يبقى على قد فلوسنا .. ممكن»، وقد أوردت هذه المجموعة عددا من الدعوات لمقاطعة اللحمة قبل عيد الأضحى لإجبار الجزارين وأصحاب الماشية على تخفيض الأسعار. في المقابل دعت مجموعة أخرى تحمل شعار «لا للعنف ضد الخروف»، «معاً لإلغاء عيد الأضحى»، إلى إلغاء عيد الأضحى الذي نحيي فيه سنة نبينا الكريم إبراهيم، والملفت للنظر أن هذه المجموعة قد استقطبت أكثر من 70 عضوا، وكرد فعل على دعوة هذه المجموعة، قام عدد من الشباب بإنشاء مجموعة أخرى ضمت أكثر من 80 عضواً تدعو إلى التمسك بسنة نبينا إبراهيم وتدعو إلى التضحية وذبح خروف العيد. وبرزت هناك أيضا مجموعة أخرى تدعو إلى إعادة المدفع في عيد الأضحى، وأخرى أوردت قصة نبينا إبراهيم مع ابنه إسماعيل، وأخرى تفننت في تقديم الهدايا والتهاني الخاصة بعيد الأضحى وغيرها.
كما برزت مجموعة حملت عنوان «فتح مقبرة عبد الحليم حافظ يفجر مفاجأة لن يتوقعها أحد»، وقد ادعت بأنه تم مؤخرا فتح مدفن المطرب الراحل، عبد الحليم حافظ، وقد ظهر أن جسده لم يتحلل، رغم مرور 29 عاما على وفاته، وهي القضية التي أشغلت الرأي العام في القاهرة والوطن العربي عموما، في المقابل برزت مجموعة أخرى جمعت أكثر من 1600 شخص، تحت عنوان «جمعية مقاومة القلق والكبت»، والتي عرفت عن نفسها بأنها جمعية تونسية حائزة على عدة شهادات دولية في مجال مقاومة القلق، مقرها الرسمي تونس وأهدافها القضاء على هذه الآفة الخطيرة باستعمال أسلحة متطورة على غرار النوم وغيرها، وعلى كل من يأنس في نفسه المواصفات اللازمة الانضمام إلى الجمعية ولم تتوقف هذه المجموعات عند هذا الحد وإنما شملت الرياضة بكل أنواعها، حيث نشط محبو الأندية الرياضية في إبراز مواهبهم في التعبير عن حبهم لهذه الأندية، كما شملت أيضا حقوق الإنسان ومختلف أنواع السيارات وحاولت كل مجموعة منها أن تعرف بأصل الماركة التي تدعو إليها، وغيرها.
وحول رأيه في مثل هذه المجموعات قال أحمد موسى: بغض النظر عن طبيعة الموضوعات التي تطرحها هذه المجموعات إلا إنها تبقى بابا مشرعا لتداول الآراء، وقد عرفت عن بعضها من خلال استخدامي لموقع الفيس بوك، وانضممت لبعضها خاصة تلك التي تحمل الطابع الفكاهي، وبالنسبة لي فأنا أشجع إنشاء المجموعات على الفيس بوك، خاصة تلك التي تحمل معلومات نحن بحاجة لمعرفتها، ولكن يجب علينا أن ندقق في مصدر هذه المعلومات ومدى صحتها حتى لا تكون مغلوطة لأن عدد الذين يتداولون هذا الموقع بالملايين. وأضاف: أعتقد أن الفيس بوك قد أتاح لنا فرصة كبيرة لتداول المعرفة إلى جانب إمكانية الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأصدقاء المتواجدين في كل أنحاء العالم والدردشة معهم، ولكن في المقابل، يجب أن نحرص جيدا على اختيار مواضيع المجموعات التي تنشأ على الفيس بوك، حتى لا تعود بالضرر علينا.
عدم اهتمام
ومن جهتها قالت سارة الخليلي: لقد عرفت الكثير من المجموعات التي تنشأ على الفيس بوك، ولكن بالنسبة لي لم أحاول الانضمام إليها رغم الدعوات الكثيرة التي تصلني من الأصدقاء، ورغم أن بعضها يحمل بين طياته الكثير من الفكاهة، إلا أنني أعتبر بأن الانضمام إليها يعتبر مضيعة للوقت، لأنها لا تغني ولا تسمن من جوع، وأفضل أن أقضي هذا الوقت مع أصدقائي الذين تعودت على تهنئتهم بالعيد والمناسبات الأخرى من خلال الفيس بوك والبريد الالكتروني. وواصلت: جميل أن نعبر عن آرائنا بكل حرية وصراحة على ساحة الفيس بوك، ولكن يجب أن تضع لهذه الحرية حدود بحيث لا نتجاوزها في الأشياء التي تخص التعاليم السماوية.
وبدورها قالت أسرار مجدلاوي: استخدم الفيس بوك منذ سنوات، وسبق أن انضممت وأنشئت مجموعات مشابهة عليه، ورغم ذلك لا أرى مبررا لإنشاء مجموعات اعتبرها هدامة وتقدم معلومات خاطئة، وهذا ما يقوم به بعض الشباب من دون قصد، عموما صفحات الفيس تكاد تكون مليئة بالمجموعات المتشابهة في مواضيعها وصورها وحتى أعضائها.
استقطاب
صراع محموم على الفيس بوك
ما زال موقع الفيس بوك يحتل مركز الصدارة في العالم من حيث ضخامته، فقد أعلن مؤخرا عن وصول عدد مستخدميه إلى 500 مليون عضو، ويتوقع أن تتوسع الإمبراطورية الالكترونية خلال الأشهر المقبلة ليصل عدد أعضائها إلى المليار.
وفي ظل هذا التنامي المتسارع، تشهد صفحات الفيس بوك صراعا ملحوظا بين المجموعات المختلفة التي يقوم أعضاء الموقع بإنشائها في مختلف المناسبات، والملفت للنظر أن بعض هذه المجموعات استطاعت أن تستقطب أكثر من 8000 عضو، في حين أن بعضها قد فشل في ذلك. بعض المجموعات التي أسسها شبان من المغرب كانت قد دعت صراحة قبيل عيد الأضحى إلى ضرورة إلغائه ووقف ما أسمته بالعنف ضد الخراف، وكانت هذه المجموعة قد جوبهت بالرفض من قبل مجموعات أخرى دعت إلى إحياء سنة نبينا إبراهيم عليه السلام. في حين نشطت مجموعات أخرى في الحض على ترك التدخين وتيسير الزواج وحقوق الإنسان والتعريف بماركات السيارات وغيرها.
وسيلة
الشباب يدافع عن الإسلام
أتاح انتشار الفيس بوك في العالم الفرصة أمام عدد كبير من الشباب المسلم في الغرب للتعبير عن آرائهم إزاء المسائل الدينية والفقهية، وقد انبرى عدد كبير منهم للدفاع عن الإسلام من خلال المجموعات التي تنشأ على الفيس بوك، وبحسب صحيفة «شيكاغو تريبيون» الأميركية، فإن آلاف الشباب المسلم في بريطانيا تحولوا إلى الفيس بوك بهدف تنمية ثقافاتهم والانخراط في المناقشات، والرد على الشبهات التي تثار حول الدين الإسلامي.
ومن ضمن المجموعات التي أنشئت كانت واحدة للدفاع عن الحجاب في أوروبا، وأخرى لمناقشة المسائل الدينية والفقهية، وثالثة تبحث في قضية اندماج المسلمين في المجتمعات الغربية وسبل تحقيقه. وبحسب مصادر متعددة فان عدد المجموعات التي أنشأها مسلمون يعيشون في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية قد فاقت في عددها ال 500 مجموعة في عام 2008، وجميع هذه المجموعات تناقش قضايا إسلامية، وهذا يشير إلى أن هذه المواقع أصبحت وسيلة جيدة لتواصل المسلمين مع بعضهم البعض عبر العالم.
