زوجة تقتل زوجها وتمزقه إرباً، ثم تلقي بأشلائه في حاويات القمامة، وفتاة تسكب الأحماض على وجه صديقتها، بدافع الغيرة، وأم تتخلى عن أسمى المشاعر، وتتحول إلى وحش كاسر، فتترك فلذة كبدها الرضيع، أمام مسجد في الشارع، حتى تهرب مع عشيقها، وأخرى تدس السم لحماتها، لتتخلص من سيطرتها على حياتها.
هذه طائفة من أبرز الجرائم النسائية، التي كثيراً ما نطالعها بأنفاس مبهورة في الصحف المحلية والعربية والعالمية، فتدفعنا إلى الدهشة والتساؤل، عما يدفع المرأة ؟وهي نبع الحنان والعاطفة المتدفقة- إلى التخلي عن عذوبتها ورقتها، فتدخل عالم الجريمة من بابه الواسع، وتقترف أناملها الناعمة، جرائم تقشعر لها الأبدان.
وما طبيعة الجرائم النسائية وأكثرها شيوعاً في الإمارات؟
وهل تمثل ظاهرة تستوجب الدراسة والبحث، أم أنها لا تزال محدودة الانتشار؟
في البداية يقول الدكتور محمد مراد عبد الله مدير مركز دعم اتخاذ القرار في شرطة دبي: إن نسبة الجرائم التي ترتكبها المرأة في الإمارات مقارنة بجرائم الرجل ليس عالية، ومازالت تتراوح في إطار النسبة العالمية التي أشارت إليها الدراسات وهي من 2 إلى 5٪ ، وهي مجرد حالات فردية لم تصل إلى حد الخطر حتى الآن ولم تشكل ظاهرة.
ويضيف: من المتعارف عليه أن جرائم النساء عالمياً، تتسم بقدر وحشي من العنف، وأن الدوافع التي تحدو المرأة إلى الجريمة، تختلف عن دوافع جرائم الرجل، فهي تتمثل في الأغلب الأعم، في الرغبة في الانتقام من شخص خانها، أو بسبب الشعور بالغيرة أو القهر، ولكن ما ترصده الدراسات والوثائق المتوافرة لدى شرطة دبي، أن جرائم الأيدي الناعمة في الإمارات، لا تنجم عن ذات البواعث.
ويتابع: من الملاحظ أن جرائم المرأة في الإمارات، لا تزال تخلو من العنف، وأن أبرزها هي جرائم سرقة المحلات التجارية، وهي جريمة تقف وراءها «شهوة الامتلاك» ولا تقتصر على مجتمعات بعينها، حيث تنتشر في البلدان الغنية أو الفقيرة على السواء.
وهناك الجرائم المتعلقة بالشعوذة واللجوء إليها أو ممارستها، وتنجم في العادة عن أسباب عاطفية، حيث قد تلجأ المرأة إلى الشعوذة، لكي تحظى بحب زوجها، أو لمنعه من الزواج من أخرى، والغريب أن نسبة لا يمكن وصفها بالقليلة من المتعلمات تعليماً جامعياً يلجأن إلى المشعوذات لطلب مساعدتهن.
ويضيف: أما بالنسبة للجرائم الأكثر خطورة، فمنها ما يقع بسبب استغلال المرأة من قبل الرجال، في ارتكاب الجرائم، مثل الجرائم المنافية للآداب والدعارة، وكذا ترويج وتهريب المخدرات، وبعض جرائم سرقات المنازل التي تتورط فيها الخادمات وجليسات الأطفال ومن في حكمهن.
ويختتم الدكتور مراد كلامه بالحديث عن جرائم الانتحار، مؤكداً أن جريمة الانتحار تعد واحدة من أكثر الجرائم النسائية انتشاراً في العالم، غير أنها مازالت منخفضة في الإمارات، وهي تتم عادةً عبر تعاطي جرعات كبيرة من العقاقير الدوائية، حيث قلما تلجأ المرأة إلى التخلص من الحياة بواسطة قطع الشرايين أو إلقاء نفسها من مكان مرتفع، مثلما يلجأ الرجال مقترفو هذه الجريمة.
تخطيط وتدبير
وترى الدكتورة فاطمة الصايغ أستاذ ورئيس قسم التاريخ في جامعة الإمارات أن المرأة تمتلك القدرة على التخطيط والتدبير، مما يجعل جرائمها أشد إحكاماً، وبالتالي يصعب كشفها من قبل أجهزة الأمن.
وتقول: ما نقرأه في الصحف ونشاهده في وسائل الإعلام يؤكد ذلك، وقديماً كان الرجل يستخدم المرأة في تنفيذ بعض الجرائم مثل تهريب المخدرات والممنوعات، والآن أصبحت هي المخططة والمدبرة للجريمة، ولا تخلو صحيفة يومية من خبر عن امرأة ارتكبت جريمة سرقة أو قتل طفل أو التخلص من طفل كما نرى في الآونة الأخيرة في الإمارات، الأمر الذي يؤكد أن نوازع الشر لدى المرأة لا تقل عن الرجل .
وتضيف: الملاحظة البسيطة وغير العلمية تكشف بأن المرأة في الماضي كانت ترتكب جرائم بسيطة وغير معقدة، أما الآن فقد ترتكب أو تشارك في جرائم كبرى وعابرة للقارات، ولعل جريمة اغتيال المبحوح مؤخراً، تكشف بجلاء أن العناصر النسائية الإجرامية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الجرائم الكبرى.
وتتابع: يبدو أن هاجس المساواة قد دفع «حواء» إلى السعي لتأكيد تفوقها على الرجل في كل المجالات بما فيها مجال الجريمة، ويبدو أن العولمة قد تسببت في تسرب بعض الممارسات الإجرامية إلى مجتمعنا المفتوح، فأصبحنا نرى جرائم تقشعر منها الأبدان، نقرأ عنها في الصحف اليومية، فنفاجأ بوجودها في مجتمعنا.
متغيرات سريعة
ويرى الدكتور أحمد العموش، عميد كلية الآداب والعلوم الاجتماعية والإنسانية في جامعة الشارقة، أن المتغيرات الاقتصادية السريعة التي قد أفرزت أنماطاً اجتماعية خاصة بها، هذا فضلاً عن التكنولوجيا التي ساهمت في عولمة كل مفردات الحياة بما فيها الجريمة.
ويقول: في الآونة الأخيرة، ساهمت التكنولوجيا الحديثة في اعتماد منظومة قيم جديدة، وتراجع الدور الذي يمكن أن تقوم به الأسرة، في مجال تربية الناشئة، مما أسهم في استحداث جرائم جديدة، منها بطبيعة الحال، جرائم نسائية، كالجرائم المتعلقة بالصور والأفلام الخليعة، وفي الحقيقة إنه لا توجد حتى الآن في مكتبة العلوم الاجتماعية والإنسانية العربية، دراسات يمكن الاعتماد عليها لتحليل عوامل ودوافع اقتراف المرأة للجريمة، والأشكال غير النمطية للجريمة.
ويتابع: من المعروف أن الملاحظة غير المباشرة، تعد واحدة من مناهج البحث الاجتماعي، وهي منهج ليس ذا نتائج حاسمة يمكن الاعتماد عليها كلياً، لكن وطالما أنه لا توجد دراسات تعتمد مناهج الملاحظة المباشرة، والاستبيان والاستطلاع وعمل الإحصاءات، فإنه يمكن القول، بأن الملاحظة البسيطة تكشف لنا، أن جرائم المرأة في الإمارات، لم تصل إلى حد الظاهرة الخطيرة، وأن معظم هذه الجرائم، ترتكب بواسطة الفئات متدنية التعليم، مثل الخادمات والمربيات والسائقات.
ويقول: إن الجرائم التي تقترفها هذه الفئات، تتمثل عادةً في السرقات والجرائم الأخلاقية والاعتداء على الأطفال، بالإضافة إلى الجرائم التي تتم بدافع الانتقام من أرباب العمل، وهي جرائم ليست مقتصرة على مجتمع الإمارات، أو المجتمعات الخليجية، ولكنها توجد في كل مكان بالعالم.
ويضيف: من المهم في المرحلة الراهنة، أن يهتم الخبراء والباحثون في مجال العلوم الاجتماعية والسيكولوجية بعمل دراسات لتقصي الأنماط الجديدة من جرائم الأيدي الناعمة، وللإجابة على سؤال مهم، ألا وهو: هل صحيح أن المرأة قد أصبحت أكثر عدوانية؟
ويقول: للوهلة الأولى سيسارع الكثيرون إلى الإجابة بالإيجاب، غير أن هذه الإجابة قد تكون غير دقيقة، فالجرائم النسائية تتصف منذ فجر التاريخ بالإفراط في العنف، ولعل أشهرها في تاريخنا الإسلامي، جريمة هند بنت عتبة عندما أكلت كبد حمزة بن عبد المطلب، رضي الله عنه، وفي تاريخنا العربي جريمة شجرة الدر، عندما قتلت زوجها بالضرب بالحذاء.
الحاجة الاقتصادية
ويختتم قائلاً: إن السلوك العدواني للمرأة يرتبط بالحاجة الاقتصادية وبالحياة المادية ذات الإيقاع السريع التي نعيشها الآن، ففي مجتمعات الوفرة ومع انتشار شهوة حب الامتلاك وقصر ذات اليد قد تلجأ المرأة إلى الأساليب الإجرامية لتحقيق مطالبها المادية، وهو الأمر الذي يتطلب من أولياء الأمور الاهتمام بترسيخ القيم المعنوية ومحاربة الرغبات المادية في نفوس الناشئة منذ نعومة أظفارهم حتى لا يجرفهم تيار العولمة بقيمه الجديدة.
مطالبة بالتوسع في نشر الجرائم لتوعية المجتمع بأخطارها
طالب الدكتور علي قاسم الشعيبي أستاذ الإعلام في جامعة الإمارات الجهات الأمنية بإبداء قدر أكبر من المرونة والتسامح إزاء نشر الجرائم عموماً وجرائم المرأة على وجه التحديد في وسائل الإعلام.
ويقول: إن مبدأ النشر يكفل تحقيق الوعي الاجتماعي بأبراز الجرائم السائدة، ومن ثم يحمي الكثيرين من السقوط ضحايا لها، وهو مبدأ ينسجم مع قيمة الشفافية التي تحرص الحكومة على تطبيقها، مشيراً إلى أن نشر الجرائم لا ولن يؤدي إلى التأثير سلباً على سمعة الدولة، فليس هناك مدينة فاضلة، والعولمة أسهمت في جعل العالم مجرد غرفة صغيرة لا قرية صغيرة. ويضيف: إن جرائم المرأة تثير مجموعة من المشاعر المتناقضة، فالثابت أن حواء أكثر غلواً في الوحشية حينما تقترف جريمة ما، وهو الأمر الذي يتناقض مع سمات الرحمة والحنان التي أودعها الخالق عز وجل فيها، وهي السمات التي تؤهلها لكي تكون أماً.
وهذه الصورة المتناقضة لابد وأن تثير السؤال: ما هي العوامل المحفزة لإخراج العنف من نفس الرحمة؟ ويتابـــع الدكتـــــور الشعيبي: من الملاحظات المهمة أن جرائم الجنس الناعم قد ارتبطت بالرغبة في الانتقام، وهو أمر ترصده وتدلل عليه دراسة ظاهرة الجريمة في مختلف العصور، فالخادمة التي لم تتلق قدراً كافياً من التعليم، ولا تمتلك مؤهلات وظيفية خاصة، قد تعتقد بأنها مغبونة وتتقاضى راتباً لا يتناسب مع حجم الجهد الذي تؤديه، ومن ثم قد تقوم بالانتقام من أهل البيت الذي تعمل فيه بسرقة مقتنياتهم الثمينة، وقد تكبر دائرة السرقة لتصل إلى سرقة الزوج أو الابن الأكبر عن طريق الإغواء والتحول من خادمة إلى خليلة، هذا الانتقام يكون دائماً مصحوباً برغبة التدمير إما للآخرين أو في بعض الأحيان تدمير الذات باللجوء إلى الانتحار في بعض المواقف عندما يتم كشف أمرها.
ويقول: كثيراً ما سمعنا عن جرائم بشعة ترتكبها الخادمات في حق الأطفال مثل الإيذاء البدني والنفسي واللجوء إلى السحر والشعوذة، وكل هذه الأمور لا تخرج عن كونها محاولات - يائسة في معظم الأحيان- للانتقام وتحقيق شهوة تحطيم الآخر.
