تعد نقوط الزواج تعبيراً واضحاً على الترابط الأسري ومتانة العلاقات الاجتماعية مع الآخرين، وتختلف أساليب الأقارب والمعارف والأصدقاء في تقديمها كل حسب عاداته، وذوقه، وقدرته المالية، ومكانته الاجتماعية، فهناك من يفضلون تقديم هداياهم ومعوناتهم من خلال زيارة منزلية إلى منزل العروسين، وهناك من يقدم المال، أو الذهب، أو التكلف بدفع مصاريف شهر العسل.. إلخ، من باب استعراض النفس، أما البعض الآخر فيقوم بتجهيز العروسين من الألف إلى الياء وهو الأسلوب المتعارف عليه في الدولة، ولكن ما يثير الدهشة هو قيام نسبة كبيرة من اللبنانيين بإرفاق رقم الحساب البنكي مع بطاقات دعوة حفلة الزفاف، وهي عادة أجنبية لا تليق ولا تتناسب مع عادات وتقاليد المجتمع العربي.
يقيم محمد الشحي في منطقة رأس الخيمة وقد اعتاد هو وعدد من سكان منطقة وادي شعم على التعاون على تجهيز الشباب المقبلين على الزواج، من خلال تجميع مبلغ كبير من أهالي المنطقة، كل حسب استطاعته، وتقديمه للعريس لتشجيعه ومعاونته على دفع المهر، وتجهيز عروسه، وحجز الصالات، وقال الشحي: نجتمع مع العريس لمعرفة جميع التفاصيل المتعلقة بالعرس، فإن أراد استضافة المهنئين في منزله كان نقوطنا له عبارة عن ذبائح التي غالبا ما تصل إلى 150 ذبيحة، بالإضافة إلى تقديم الأرز، والمواد غذائية، وإن أراد حجز صالة فإننا نقوم بتجميع مبلغ وإعطائه له لمساعدته على التغلب على الغلاء، ويصل المبلغ عادة إلى 80 ألف درهم. وأضاف الشحي: نقدم النقوط قبل الزواج وليس بعده حتى يستفيد العروسان أكثر، بالإضافة إلى أننا نعتمد على أقدم شخص في المنطقة لنشر خبر موعد الزفاف قبل موعده بـ 20 يوماً حتى تقدم كل عائلة ما باستطاعتها للعريس، بالإضافة إلى أننا لا نهدي العريس الأدوات المنزلية، والأجهزة الكهربائية، وقطع الأثاث، لأنها من واجبات أفراد عائلتي العريس والعروس.
الحساب البنكي
أما اللبناني محمد مصطفى - متزوج-، فقال: تنتشر عادة أجنبية رائعة في لبنان، وهي إرفاق رقم الحساب البنكي الخاص بالعريس مع بطاقة دعوة حفلة الزفاف، وهي طريقة تخرج المدعوين من الأقارب والأصدقاء من دائرة الإحراج التي تتعلق بالنقوط، حيث يقوم كل شخص بالذهاب إلى البنك ووضع المبلغ الذي يتناسب مع وضعه المادي، بدلاً من جلبه لهدية باهظة الثمن قد تكون جهازاً كهربائياً أو أداة منزلية قد لا يكون العروسان بحاجة إليها نظراً لتكرارها، ويتيح هذا الأسلوب للعروسين بعد الزواج شراء ما يحتاجانه فعلاً على ذوقهما الخاص وليس على أذواق الناس.
ويرى محمد أن هذه الطريقة أفضل بكثير من وضع المال بشكل مباشر في يد العريس، وقال: يحتاج الشاب المقبل على الزواج إلى المال وليس إلى الهدايا والتذكارات الرمزية، حتى يستطيع تأثيث منزله وشراء ما يحتاجه، وليس من اللائق أن يتم تقديم المال له بشكل مباشر احتراماً لكرامته، لذلك أرى أن إضافة رقم الحساب البنكي إلى بطاقة الدعوة وسيلة جيدة للاستفادة من نقوط الزواج، وبالنسبة لي فقد حصلت على مبلغ جيد مكنني من شراء الكثير من قطع الأثاث.
وأبدى الإماراتي عباس فرض الله رأيه في العادة اللبنانية، وقال: على الرغم من أنها فكرة جميلة تتيح للأقارب المقيمين خارج الدولة أيضاً في المشاركة في مساعدة العريس، كما أنها توفر الوقت والجهد من خلال إمكانية تحويل المال عبر النت بدلاً من التجول في الأسواق والمحلات بحثاً عن الهدية المناسبة، إلا أن مجتمعنا العربي لا يتقبلها مطلقاً لأنها من الأمور «المنقودة»، وبالنسبة لي فقد تلقيت هدايا قبل زفافي بأسبوع تقريبا، كما حصلت على 20 ألف درهم من الأهل والمقربين ساعدتني على شراء النواقص ودفع تكاليف الإقامة في الفندق وغيرها من الأمور، وأنا لم أحرج من معونتهم تلك لأنني سأردها لهم في أعراسهم. وأكد العُماني ياسر سالم ؟أعزب- أن معظم القبائل والعائلات تقدم النقوط من باب الاستعراض والتفاخر والمباهاة، وقال: عندما ينتشر خبر إقبال فلان على الزواج، تتنافس العائلات ويتسابق أفراد القبائل على مساعدة العريس من خلال التكفل بتأمين المواد الغذائية، حيث يتفاخرون بتقديم أكبر قدر من الأرز، والفواكه، والخضروات، واللحوم، ويتباهون بتقديم المال له أيضاً. وأوضح ياسر أن المنافسة لا تقتصر على الرجال، وقال: تقوم قريبات العروس بتقديم نقوط غير نقدية لها، حيث تتكفل إحداهن بجلب الماكياج وأدوات الزينة، بينما تقوم الأخرى بدفع تكاليف الصالون وشراء فستان الحفل لها على سبيل المثال.
مرفوضة بالتأكيد
وقال الأردني خالد سفاريني - أعزب-: النقوط عادة اجتماعية تهدف إلى توثيق المودة والمحبة بين الأهل والأقارب ومبادرة لطيفة منهم، وأفضل أن تقتصر على الهدايا البسيطة مثل الأدوات المنزلية أو الأجهزة الكهربائية أو ما شابه ذلك، لأن الهدف منها معنوي، ولأنها غير مكلفة مقارنة بإهداء الذهب والألماس كما تفعل بعض العائلات، وبالنسبة لي فأنا سأرفض قبول أي مبلغ مالي من الأصدقاء أو الأقارب في المستقبل، لأنني عندما سأقدم على خطوة الزواج لن أنتظر مساعدة أو دعماً مادياً من أحد. وعن أسباب رفضه، قال سفاريني: تقديم المال يقلل من شأن العريس وقدرته على تدبير أموره بنفسه، كما يفتح المجال للقيل والقال بشكل غير مباشر، وأنا أفضل أن أستعد جيداً قبل أن أطرق أبواب الناس لطلب بناتهم للزواج.
كان نقوط الفلسطينية سونيا أحمد - تزوجت حديثاً- من العيار الثقيل، حيث حصلت على كمية كبيرة من الذهب من أقاربها، وقالت: يعد النقوط برأيي مقياساً حقيقياً لمحبة الآخرين للعروسين، وتقديرهم لهما، ومدى فرحتهم بزواجهما، وقد جرت العادة في عائلتنا أن يتم تقديم النقوط فقط للعروس في حفلة الزفاف، حيث يقوم أعمامها وأخوالها وأشقاؤها وبقية المقربين بإلباسها قطعاً من الذهب والمجوهرات أمام المدعوين من باب المفاخرة واستعراض إمكانياتهم المادية، وقد انهالت علي النقوطات بغزارة والحمد لله وأنا متأكدة من أنها ستعينني وزوجي على التغلب على أزمات الحياة في المستقبل.
تناقض خبراء «الإتيكيت» في جدوى هدايا الزفاف
لا شك أن حفلات الزواج مناسبة رائعة لتقديم الهدايا، يشعر فيها الأهل والأقارب والأصدقاء برغبة كبيرة في إغداق الهدايا على المتزوجين حديثا، فمنهم من يقوم بتقديم أدوات منزلية أو كهربائية لمنزل العروسين، ومنهم من يهدي مبلغاً مالياً يعين العريس على دفع بعض التكاليف الباهظة، وحول «إتيكيت» تقديم النقوط أوضح طاهر المرر-مستشار إتيكيت- أن على العروسين ألا يطلبا المال أو الهدايا من الأصدقاء والمقربين، وقال: لا يجوز كتابة قائمة اختيارات الهدايا على بطاقة دعوة الزفاف.
أو حتى إظهار الحاجة إلى الهدايا المالية، كما على العروسين تذكر نقطة مهمة وهي أنه لا توجد طريقة لتحديد قيمة الهدية التي يجب أن يحضرها الضيوف لأنها تعكس إمكانياتهم وقدراتهم المادية، وأن هدايا حفلة الخطوبة ليست إلزامية مطلقاً ولكن تقديمها يعد مبادرة لطيفة من صاحبها.
وعن النقوط التي حصل عليها في حفل زفافه، قال المرر: رفضت استلام جميع الهدايا المالية، وكم أتمنى أن تزول هذه العادة من مجتمعنا العربي لأنها تشجع الشباب على الاتكالية والاعتماد على الغير، بدلا من الاعتماد على النفس والعمل بجد لتوفير المال اللازم لتغطية جميع تكاليف هذه الخطوة.
أما طارق الشميري ؟خبير إتيكيت معتمد من قبل أوكسفورد-، فقال: جرت العادة في مجتمعاتنا العربية أن يقدم المقربون من كلا العروسين هدايا لهما بهدف مساعدتهما على تكوين أسرة وبدء حياة جديدة، وهي عادة نبيلة نظراً لارتفاع تكاليف الأعراس في دول الخليج بشكل عام.
وجرت العادة أيضا أن تعطى بشكل علني لهما، وهذا خطأ لأن المباهاة في تقديم النقوط سواء كانت مال أم مجوهرات يسبب إحراجا كبيرا لأصحاب الإمكانيات المتواضعة وقد يحرمهم من حضور حفل الزفاف أو قد يضطرون إلى أخذ سلفة من بنك أو صديق حتى يتمكنوا من تقديم هدية لائقة أمام الحاضرين. ولا يرى الشميري أن هناك عيباً في مشاورة الأهل للعريس فيما يتعلق بالنقوط العينية التي قد تكون تحفاً، أو أواني منزلية.. إلخ، وقال: المشاورة تمنع تكرار الهدايا وتتيح للعريس الاستفادة من أكثر من مساعدة الآخرين له.
