كلنا يعشق الابتسامة ويسعد بها، ويعدها من أجمل الأمور في هذه الحياة، بل هي جواز مرور إلى القلوب. كم جميل أن تبتسم الأم لابنتها أو الوالد لولده أو أ ن يبتسم الأخ لأخيه المسلم أو الزوج لزوجته، هذا لعمري أمر محبب إلى القلب ومرغوب به ومرغب فيه.. نبينا صلى الله عليه وسلم حض على الابتسامة ورغب فيها بل وعدها صدقة..«تبسمك في وجه أخيك صدقة»، وفي حديث آخر «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلق أخاك بوجه طلق»، أو كما قال رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام.. هب أنك يا أخي تزور قوما تعرفهم من أقاربك أو أصدقائك، ووجدت ولو فرداً واحداً منهم مقطب الجبين ومكفهر الوجه يظهر عبوسه على قسمات وجهه بكل جلاء، والكل لك هاشون باشون مبتسمون، ماذا سيكون شعورك حينئذ؟ بلا شك سيحز ذلك السلوك في النفس ويكدر الخاطر ويعكر المزاج، وبالتالي كلنا متفقون - كما أظن - أن الابتسامة مهمة وجميلة ومفرحة في حياتنا محببة إلى القلوب ومقربة لها.
ولكن هناك صنفان من الناس وهما ? أراهما ? ممن يغتال هذه الابتسامة ويدنس شرعيتها ويشوه جمالها.
أما الصنف الأول، فهم الذين يبتسمون لأجل نيل حظوة هنا أو مصلحة مرتجاة هناك من أحد، ولولاها لما بانت على قسمات وجهه واضحة جلية،فتراه يلقاك بأكبر بسمة، لكنه كما يقال يلقاك بوجه أبي بكر وقلب أبي لهب، وعندما تنقضي المصلحة، فكأنه لا يعرفك أبدا وفيه قال الشاعر: فلما انقضى الأمر *** فلا صلىَ ولاصامَ..
وأما الصنف الأخر فهم الذين لا ترتسم الابتسامة على وجوههم بل يرتسم الشحوب والقتامة والتقطب، ولعل واحدنا في مطعم مع صديق أو في محل أو جهة حكومية ما، فيستغرب ممن يدخل هذا المكان وهو مكفهر الوجه غاضب يحدق يمنة ويسرة بعينيه المفتوحتين ليبدي للناس جديته وأنه شخص هام.
تتكرر المشاهد كهذه في أماكن أُخر.. فلا تكاد تخرج من مكان أو تلجه إلا وترى هذه الجدية المصطنعة المتكلفة تعلو جباه وقسمات هذا الصنف من الخلق.. إنهم حقاً قومٌ اتخذوا من التجهم مذهباً ومن العبوس مسلكا وطريقا!
وإنك ليتملك العجب العجاب من البعض الذين يدعون الدين زورا وبهتانا، وأن تجهمهم ما هو إلا تقليدٌ لصلاح الدين أو نور الدين زنكي اللذين كانا مهمومين بتحرير القدس آنذلك.. وهذا العابس ماهو إلا رجل مهمومٌ بمشاكل بيته وعمله، لا يقوى حيالها إلا العبوس والتجهم أمام الناس، غير راض بقضاء الله وقدره، لم يقو على مواجهتها، بل وهذا المدعي للتدين لا يعرف أن الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - كان لا يُرى إلا متبسما.
أرى أن هذين الصنفين هما من يقتل الابتسامة ويشنقها ويصعقها بالكهرباء صعقاً.. فهل لهذا الأمر من مدكر؟!
