في السيارة على طريق دبي العين متوجهين نحو العمل في الصحيفة، الجو بارد ومذيع بصوت شبه مرتفع يتحدث عن أسباب زيادة نسب التدخين السلبي في المجتمع عبر برنامجه الإذاعي المتكرر بعنوان صحتك، كنت جالسة في المقعد الخلفي أنظر مباشرة باتجاه النافذة غير مبالية بالمذياع أوصمت السائق البدين الذي يقود السيارة.

فجأة تخلل جونا البارد اتصال هاتفي تلقاه السائق، والغريبة أنه بدأ بالضحك من دون سابق إنذار، كأنه طير أطلق من سجنه الحديدي الذي يتخلله الهواء من دون قيود، فاستيقظت فجأة من تأملي الطويل لأبدأ بملاحظة تصرفات السائق وعلى ماذا هو «مشطط» متفاعل، حيث سمعته يقول وهو يتحدث بالهاتف مع شخصية آسيوية (مشكور بابه.. الحمدلله.. جزاك الله خير.. متى لازم يجي عشان يأخذ فلوس.. كيف لازم ياخذ..)؟!

ومنذ لحظتها اشتغلت حاسة الاستشعار.. فعمدت إلى تعديل جلستي المائلة، وترتيب أوراقي البيضاء وسرت أبحث عن قلمي البالغ من العمر يوما واحدا، وبدأت بالكتابة عما يدور في الاتصال المشكوك فيه..

وعرفت من فحوى الاتصال أن سائقي التعيس فاز بجائزة تقدر بـ ‬200,000 درهم وذلك من شركة اتصالات، وأشار صاحب الاتصال والمبلّغ عن الجائزة أن اسم السائق ذكر في التلفاز صباح اليوم في توقيت الساعة السادسة والنصف، بمعنى أنه في الفترة التي يكون فيها سائقي العزيز يغط في نوم الأمس ولم يستعد بعد ليوم جديد. والسؤال من يشاهد برنامج إعلان عن الجوائز من الصباح الباكر!!

وبدأت المحادثة الهاتفية تأخذ مجراها الطبيعي في كيفية حصول السائق للجائزة، وبدأ يسأله عن كيفية استلامه للجائزة، وبدأ الموظف أو المتحدث يطالبه بأن يعطيه معلومات شخصية كالاسم والوظيفة ومكان العمل والراتب الشهري، وسائقي المحترم صاحب الـ ‬200,000 كما يصف نفسه يجيب باسترسال دونما توقف، ووعده أن يتم إرسال الشيك المالي بالحوالة المالية عن طريق أحد المراكز المصرفية في المنطقة، ولكن...

هنا بدأ الحوار يأخذ منحنى جديدا.. فقد طلب الموظف من السائق أن يرسل أرقاما لبطاقات واصل المدفوعة مقدما بمبلغ يصل إلى ‬1500 درهم كحساب للخدمة المقدمة له من قبل الشركة، وفي حال عدم دفعه للمبلغ المستحق يتم إلغاء الجائزة عنه.. في هذه اللحظة دققت النظر في وجه سائقي المسكين الفقير فمبلغ كهذا للخدمة لا يستطيع أبدا أن يوفره الآن ونحن على أطلال نهاية الشهر.. نغني شعر فراغ الجيوب.. ياليل ما أطولك..!

( أنا ما في ‬1500 الحين بابه.. والله مشكلة أنته..أنا ما يقدر الحين.. أنا في الطريق.. بس ‬150 درهما.. ) يقول السائق للموظف

( أوكيه ما في مشكلة سوي ‬150 درهما بطاقة.. جيب رقم بطاقة.. أنا في انتظار بسرعة) قال الموظف..

وطلب منه أن يرسل نسخا وصورا عن «جواز السفر». وبدأت القصة تجر خيوطها الأخيرة باتفاق بين سائقي والموظف على جلب البطاقات بأرقامها لإتمام عملية استلام الجائزة، فتبسمت وأشرت بيدي له مستعجبة، كيف صدقت هذا الشخص..! طبيعة الحوار تأكد لي أنها عملية نصب منظمة، جلس السائق ينظر باتجاهي من خلال المرآة المعلقة.. سائقي العزيز من الجنسية العربية ومثقف وقد خبر الحياة ويعلم ما لم أتقنه أو أجربه في الحياة بعد ويكبرني بعشر سنين.. ولكن في لحظة تحول إلى طفل ممكن أن يتم خداعه بقطعة حلوى..

(سأقوم بسؤال شركة اتصالات على رقمهم المجاني والرسمي سأجد أجابه شافية) هكذا رد عليّ السائق.. لم يكن حتى تلك اللحظة قد امتص الصدمة..

‬101 .. شركة الاتصالات.. ألو.. وبدأ يخبرهم بما حدث.. موظف الاتصالات الحقيقي.. باختصار..«ينصب عليك!»

سائقي المسكين جلس يمسح وجهه بماء الخيبة والجهل، لأنه كان على استعداد أن يقدم المبلغ في سبيل نيل جائزته الوهمية.

وبدأت أفكر وأتساءل.. هل هي فكرة الوعي؟ أم أنه قناع الجهل الذي نتعمد ارتداءه لسد حاجة دونما جهد أو فعل!