بدأ نبيل اللبابيدي العمل كمدرس للغة العربية في نهاية الثمانينات، بعد ذلك انتقل للعمل في مجال الإشراف الإداري، وعلى الرغم من صعوبة مهام المجالين، إلا أنه أظهر تميزه وجعل له مكانة خالدة في نفوس الطلاب.

يبدأ يومي بالاستيقاظ الباكر بالخروج من المنزل لأداء صلاة الفجر بعدها مباشرة أتوجه إلى المدرسة اصلها في تمام السادسة صباحا، حيث أقوم بإعداد نموذج الغياب والحضور الخاصة بالمدرسين، وبعد بدء الحصة الأولى أتجول عادة بين أروقة المدرسة كما أتفقد دورات المياه جيدا، للتأكد من أن جميع الطلاب داخل الصفوف، ومن ثم أقوم بمراقبة الممرات حتى أمنع تسرب الطلاب من الحصص لاحقا، كما أنني أهتم بإلقاء نظرة سريعة على الطلاب داخل الفصول للتأكد من التزامهم بالمظهر العام.

عندما ينتهي الدوام في تمام الساعة الواحدة ظهرا، أشعر بقلق كبير على الطلاب من أنفسهم التي تأمرهم بالانحراف والتصرف بشكل غير لائق.

ينتهي عمل الفترة الصباحية ولا أذهب إلى المنزل، بل أبقى بالمدرسة حيث أتناول طعام الغداء وأصلي، لأن عملي كمشرف إداري يتكرر في الفترة المسائية التي يبدأ دوام الطلاب فيها في الساعة الثالثة ظهرا وينتهي في تمام الساعة التاسعة مساء، ويعد هذا الانتظار الطويل إحدى الصعوبات اليومية التي أواجهها، فلولا ازدحام الطرق في هذه الفترة لحظيت باستراحة يومية خلال فترة الظهر.

 

تواصل ممتد

يتكرر روتين عملي منذ عشرين عاما في الفترتين الصباحية والمسائية، ولكن احترام الطلاب الخريجين لي ومحبتهم الكبيرة، ووجود الطلاب المهذبين واللبقين في المدرسة ينسيني همومي ويشجعني على العطاء. فمنذ مدة قصيرة دعيت إلى إحدى حفلات الأعراس من قبل أحد الطلاب الخريجين، وكم كانت فرحتي كبيرة حين لمست اهتمامهم بي، وحرصهم على الحديث معي طوال الوقت لاسترجاع الذكريات الجميلة، والاطمئنان على صحتي، كما أنني أسعد حين أرى وجوه طلابي الذين تتلون وجوههم خجلا حين أعاتبهم على تصرف معين، أو موقف ما لم يعجبني.

مشكلات الطلاب في الفترة الصباحية لا تختلف كثيرا عن مشكلات طلاب الفترة المسائية، وأبرزها الغياب المتكرر من دون عذر، وظاهرة الهروب من الحصص للتدخين في الحمامات وأحيانا خلف الحافلات المدرسية، وغالبا الهروب خارج المدرسة لشراء السجائر من كافيتريا قريبة، وعدم الالتزام بالزي المدرسي، والتعامل بأسلوب غير لبق مع المدرسين، وعلى الرغم من وقوفي دائما في صف الطلاب، إلا أنني أتعامل مع كافة المشكلات بحزم وذلك من خلال الاتصال بولي الأمر لمعرفة ظروف الطالب ومشكلاته، أو تفتيش الطالب ومعاتبته، أو متابعة الطلاب من خلال كاميرات المراقبة الموزعة في أنحاء المدرسة، وقد قمت مؤخرا بتهديد بائع الكافتيريا وإلزامه بعدم بيع السجائر للطلاب، وقد ساعد هذا الإجراء على إحباط محاولات الطلاب العديدة للتدخين وتقليل هربهم.

 

مخزن الهواتف

جلب الطلاب لهواتفهم المتحركة إحدى المشكلات التي وضعت لها حدا بالتعاون مع مدير المدرسة من خلال تكثيف التفتيش الدوري، ويوجد في خزانتي حاليا ‬400 «موبايل» لن يأخذها الطلاب ولا حتى أولياء أمورهم إلا في نهاية العام الدراسي، لأننا أنذرناهم أكثر من مرة، وأخبرنا أهاليهم أننا نوفر لأبنائهم هاتفا خاصا للاتصال بهم، ولكن لا حياة لمن تنادي، كما أن تقصير بعض أولياء الأمور في متابعة مستوى أبنائهم الدراسي، وعدم حضورهم إلى الاجتماعات التي تعقدها المدرسة أمر في غاية الأهمية، وأذكر أن هناك أبا قدم إلى المدرسة وسألني عن ابنه، وبعد بحث طويل في قوائم أسماء الطلاب، اكتشفنا أنه لا يعرف اسم مدرسة ابنه، وأنه دخل مدرستنا بناء على وصف أحد أقربائه لموقع المدرسة التي يدرس فيها ابنه وهي مدرسة مجاورة لنا، وبعد حديث قصير أخبرني أنه لم يزر مدرسة ابنه من قبل وأنه أتى هذه المرة ليحل مشكلة عالقة ابنه طرف فيها.

 

توجيه

إرشاد الطلاب وتوعيتهم بضرورة التخلص من سلوكياتهم السلبية، أمر في غاية الصعوبة، فهناك طلاب أيتام يعانون من الانطواء ولا يتفاعلون مع محيطهم وتكون حساسيتهم عالية تجاه أي كلمة قد تصدر من أحد المدرسين أو الطلاب من دون قصد، وهناك من تكرر رسوبهم أكثر من مرة وبالتالي يصبحون أكثر عنفا واستهتارا بقوانين المدرسة من غيرهم من الطلاب، أما البعض الآخر من الطلاب فيكون في قمة الإحباط واليأس ويرفض الجد والاجتهاد لنيل الدرجات العالية لأن حالة عائلته المادية المتواضعة لن تساعده على إكمال دراسته الجامعية بعد التخرج، إضافة إلى وجود فئة من الطلاب تتعامل مع المدرسين بفوقية وتعالٍ بسبب إفساد المادة لها، وانتمائها إلى عائلات ثرية.

 

في المنزل

تنفد طاقتي مع انتهاء الدوام مساء، وعند عودتي إلى المنزل ينقطع الحديث عن المدرسة كما أنني لا أمارس دور المشرف المدرسي مع أبنائي، بل أتناول طعام العشاء وأجلس مع أبنائي وزوجتي قليلا، ثم أنام من شدة الإرهاق والتعب.

أواجه صعوبة كبيرة في حل مشكلات أبنائي بسبب تقارب أعمارهم، ورغبتهم في تغيير شخصيتي، وطموحاتهم التي لا حدود لها، ورفضهم لمبدأ المحاسبة والمساءلة عند ارتكابهم للأخطاء.