غسان خروب

تصنف البدانة على أنها من المشكلات الكبرى التي تهدد الصحة العامة، لما لها من ارتباطات مباشرة وغير مباشرة بالعديد من الأمراض مثل القلب والسكري والكوليسترول وارتفاع ضغط الدم وغيرها، إلى جانب ارتداداتها النفسية على الأشخاص البدناء، وكانت منظمة الصحة العالمية قد صنفت البدانة بذلك عندما بلغ عدد البدناء في العالم أكثر من ‬250 مليون شخص، وتتوقع إحصائيات المنظمة وصول عدد البدناء البالغين في العالم إلى أكثر من ‬700 مليون شخص بحلول عام ‬2015.

وفي الآونة الأخيرة كشف مركز «في ال سي سي» المتخصص في حلول التخفيف والرشاقة في حلقة نقاشية عقدها في إطار حملة مكافحة البدانة التي يقودها المركز بالتعاون مع مجموعة من الجهات والجمعيات غير الربحية عن دراسة جديدة أعدها بهذه المناسبة بينت من خلالها بأن أكثر من ثلاثة أرباع سكان الإمارات يعانون من البدانة، وقد اتفقت الدراسة في ذلك مع الإحصائيات التي تشير إلى أن الإمارات سجلت أعلى نسبة أشخاص مصابين بمرض البدانة في العالم.

يأس المرضى

دراسة «في ال سي سي» شملت ‬800 شخص منهم ‬50 أخصائياً يعملون في قطاع الصحة بالمنطقة، وقد بينت الدراسة مدى يأس المرضى البدناء مما يعانونه، وبحسب الدراسة فقد صنف ‬49٪ من العينة أنفسهم بأنهم لا يعانون من زيادة أو نقصان في الوزن مما يجعل حالتهم «طبيعية»، بينما صنف ‬23٪ بأنهم يعانون من زيادة قليلة في الوزن. وأشارت إلى أن ‬80٪ من المبحوثين يدركون بأن الأشخاص الذين يعانون من زيادة في وزنهم لا ينعمون بحياة صحية، في حين وافق ‬70٪ على أن البدانة تؤثر بشكل كبير على الحياة اليومية للأشخاص، ولكن لم تكن لديهم دراية عن أهمية التوجه إلى أخصائيين طبيين لعلاج هذه المشكلة الصحية، خاصة وأن معظمهم يؤمنون بأن عملية تخفيض الوزن تتطلب تغييرات في نمط وأسلوب الحياة مما يؤثر في عملية لجوئهم إلى أخصائيين، إلى جانب وجود العديد من المؤسسات الصحية التي تسعى إلى تسليط الضوء على أهمية اتباع حمية أو نظام أكل معين وهو ما يساهم في ابتعاد البعض عن اتباع الحمية.

وأكدت الدراسة اعتماد العديد من الأشخاص على أنفسهم في اتباع نظام غذائي معين دون اللجوء إلى أخصائي تغذية، وهو ما يتعارض مع رأي الأخصائيين الصحيين الذين يؤكدوا على مدى أهمية اتباع نظام أكل صحي مقدم من خبراء تغذية لتفادي الآثار الجانبية التي تؤدي إلى أمراض غير متوقعة.

نمط الحياة

في المقابل عندما سئل أخصائيو الرعاية الصحية عن الأسباب الرئيسية للبدانة في الإمارات، أجاب ‬72٪ منهم بأنها مرتبطة بنمط الحياة السائد في الدولة، ومن ثم سوء النظام الغذائي، وطبيعة الثقافة السائدة، والطقس الحار، ولم يغفلوا العامل الوراثي الذي قد يسبب السمنة. وعندما سئل هؤلاء عن طبيعة الأمراض المرتبطة بالسمنة فقد اتفقت الغالبية العظمى منهم على أن مرض السكري يرتبط بشكل مباشر بالبدانة، ولا يمكن إغفال حقيقة أن الإمارات تعاني من ارتفاع ملحوظ في عدد المصابين بمرض السكري على مستوى العالم، كما أشار الأخصائيين إلى ارتباط مرض القلب بالبدانة، ومن ثم جاءت أمراض العظام والمفاصل وتلاها الاضطرابات التناسلية.

وعندما سئلت هذه الشريحة عن مدى كفاية المعلومات المتوفرة للجمهور حول الآثار الصحية المتصلة بالسمنة اتفق ‬64٪ على وجود معرفة كافية لدى السكان حول أخطار البدانة، ورغم ذلك ما زالت الإمارات تحتل مراتب متقدمة في مرض البدانة.

قد تكون الحمية أو الريجيم أحد أبرز الحلول المطروحة للتخلص من الوزن الزائد، وفي هذا الصدد اتفق ‬72٪ من أخصائيي الرعاية الصحية على ضرورة اتباع نظام غذائي يؤدي إلى فقدان بطيء للوزن وذلك بغية الحصول على نتيجة مستدامة، ولكن المثير أن ‬50٪ من المستطلعين لم يتفقوا مع رأي الأخصائيين، نظرا لرغبتهم في الحصول على نتائج سريعة عند اتباعهم لنظام غذائي معين، في حين أفاد ‬17٪ من المستطلعين بأنه لا يوجد لديهم معلومات واضحة حول الطرق الصحيحة لفقدان الوزن. ولعل المثير في الدراسة أن ‬40٪ من المستطلعين أجابوا بأنهم لا يحتاجون لإنقاص أوزانهم إلى أية مساعدة طبية أو متخصصة في مجال التنحيف، في حين شدد ‬94٪ من أخصائيو الرعاية الصحية على وجوب الحصول على المساعدة لفقدان الوزن ومنعه من الارتفاع في المستقبل.

في إطار إنقاص الوزن ضرورة جمالية أم صحية، أشار ‬49٪ إلى أن الحصول على جسم جميل ورشيق يمثل حافزاً قوياً للتخلص من الوزن الزائد، وهو ما يتغلب على الأسباب الصحية، وبالطبع فإن ذلك يختلف مع رأي أخصائيي الرعاية الصحية، حيث قال ‬80٪ منهم أن فقدان الوزن يجب أن يكون بسبب القلق على الصحة.

نشر التوعية

وحول تأثيرات البدانة على النساء قالت فاندانا لوثرا مؤسسة مركز في إل سي سي: «تعتبر هيئة الصحة العالمية أن مرض البدانة من المسببات الرئيسية للعديد من الأمراض الأخرى التي تسجل أرقاماً عالية في الإمارات، حيث يعد الشخص البدين أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم ثلاث مرات أكثر من الشخص العادي»، وأضافت: «‬30٪ من عملائنا النساء يعانون من متلازمة تكيس المبايض بسبب إصابتهم بمرض البدانة. وخلال السنوات الماضية نجحنا كثيراً في الحد من الآثار الجانبية الناتجة عن مرض السكري من خلال تخفيض أوزانهم، ولا ننكر بأن هذه الإحصائيات قد شجعتنا كثيراً على نشر التوعية عن مدى خطورة مرض البدانة وتشجيع الناس على التحكم في أوزانهم لتقليل نسبة المخاطرة بالإصابة بأمراض متعددة».

من جهته قال سانديب أهوجا رئيس في إل سي سي: «يتمحور دور المؤسسات والهيئات الصحية نحو تعليم المرضى أفضل الطرق الصحية للتخلص من أوزانهم الزائدة وتجنب الأمراض الناتجة عن البدانة، وبلا شك أن ارتفاع نسبة التوعية بين العديد من السكان بمدى خطورة الإصابة بمرض البدانة والنتائج المترتبة عنه قد احدث فرقا ملحوظا في هذا الجانب»، وتابع: «لقد بدأنا في حملة مكافحة البدانة قبل تسع سنوات وهذه هي السنة العاشرة لها، وإذا نظرنا اليوم إلى العناوين الرئيسية في الصحافة سنجد أنها أصبحت أكثر اهتماماً بموضوع البدانة مقارنة مع السابق، إلى جانب أن استمرار الحملة يثبت بأن مستوى الوعي بخطورة البدانة قد ارتفع كثيرا ووصل إلى الجيل الحديث، ويكفينا فخراً أن تكون الإمارات مصدر هذه المبادرة التي انتقلت إلى دول أخرى في العالم». وأشار أهوجا إلى أن عادات الأكل قد تغيرت لدى الكثيرين خلال الخمس سنوات الماضية، وقال: نحن ندرك تماماَ أن تقليل نسبة البدانة في الإمارات يستغرق وقتاً طويلاً، ولكن ذلك لا يمنع أن نبدأ نحن بالخطوة المهمة لرفع مستوى الوعي لدى الناس حيال هذا المرض»، أما بخصوص تعامل الناس مع برامج الريجيم قال أهوجا: «المشكلة التي نعاني منها وجود عدم فهم لبرامج الريجيم أو الحمية، فكثير من الناس يفهمها على أنها حرمان من الأكل أو أنواع معينة من الطعام الذي يحبونه، وهو ما يشجع الكثير من الناس على الإقلاع عنها والابتعاد عن اتباع أي نظام غذائي، في حين أنه يجب عدم حرمان النفس مما تشتهي من الأكل وإنما تعليم الشخص كيفية تغيير نظامه الغذائي بحيث يكون صحي، وأعتقد أن هذه الطريقة ستساعد الكثيرين على التخلص من أوزانهم الزائدة».

تشريعات

ندرك تماماً أن البدانة مرض يستشري في المجتمع الإماراتي، ولكن ما هو الحل؟، وحول ذلك قال الدكتور صلاح البدوي رئيس المشروع الوطني للحد من مرض السكري: «بتقديري أن الحل يأخذ أكثر من محور وهو يكمن في تضافر الجهود الحكومية والخاصة لمواجهة هذا الوباء العصري، ويجب أن يتم العمل على مستويات مختلفة أولها تغيير نمط حياة الأفراد خاصة وأننا نعيش في بيئة تشجع على الراحة والخمول والتعلل بعدم وجود الوقت الكافي لممارسة أي نشاط بدني، ولتغيير هذا النمط يجب أن يتم ربطه بسلسلة من الإجراءات والحوافز مثل توفير البنية التحتية اللازمة التي تشجع على ممارسة الرياضة مثل مضامير المشي التي يجب أن تتوفر في كل مكان سواء في الأحياء أو الشوارع أو الحدائق العامة بحيث تشكل مصدراً للتشجيع على ممارسة الرياضة»، وأردف: «توفير المعرفة يلعب دوراً مهماً في الحد من هذا المرض، ولذلك لا بد أن تتوفر الإمكانية لكل فرد في المجتمع للوصول إلى المعلومة والاستشارة الصحيحة، كما أن سن التشريعات يلعب دوراً مهماً هو الأخر في ذلك، ولنا في قانون التدخين أسوة، حيث بدأت عبارة التحذير من مخاطر التدخين صغيرة ولكنها الآن استطاعت أن تستحوذ على نصف مساحة علبة السجائر مع صور توضيحية، ولذلك يجب أن نطبق الأمر ذاته على الغذاء بحيث يعرف المستهلك كمية الدهون والسعرات الحرارية الموجودة في الوجبة المقدمة له، حتى يتمكن الفرد من معرفة إذا كان الطعام صحي أم لا، ومن الناحية الأخرى يجب إجبار المطاعم خاصة التي تقدم الوجبات السريعة على توضيح مكونات الطعام الذي تقدمه وكميات الدهون والسعرات الحرارية الموجودة فيها ويمكن الإشارة إلى أن هذه الوجبة صحية أم لا، من خلال إخضاع هذه المطاعم إلى مراقبة دائمة من قبل الجهات الرسمية».

وأشار د. البدوي إلى أن الحد من البدانة سيساهم في الحد من مرض السكري، وقال إن المحافظة على الوزن يقلل نسبة الإصابة بمرض السكري والأمراض الأخرى، مشيراً إلى وزارة الصحة تسعى إلى تقليل نسبة انتشار البدانة ‬1٪ كل عام لما لذلك من تأثير في الحد من مرض السكري، وتمنى أن يكون هناك برنامج وطني خاص بمكافحة السمنة على غرار البرنامج الخاص بمرض السكري».

وبخصوص التوعية قال د. البدوي: «رغم وجود العديد من التحديات أبرزها الوجبات السريعة واستخدام المطاعم لعدد من المشاهير في الترويج لوجباتها بهدف التأثير بالشباب خاصة المراهقين، إلا أنه لا يجب إغفال جانب التوعية التي تساهم في إنشاء جيل واعي خالي من مرض البدانة في المستقبل».