تعتبر النيوترونات من أكثر العناصر التي تشكل الكون والكائنات الحية غموضا وأغربها في الوقت نفسه، فهي على الرغم من مضي نصف قرن على اكتشافها إلا أنها لا تزال مجهولة إلى حد كبير.

وتطلق الشمس في ثوان معدودة عدداً من النيوترونات يفوق عدد ذرات الرمل في الصحاري والشواطيء على الأرض، لا بل وكل أعداد الذرات التي تشكل منها البشر، منذ بدء الخليقة وحتى اليوم. ولو قدر لنا أن نرى بعيون النيوترونات لرأينا عتمة الليل أكثر إشراقاً من الصباح، فالنيوترونات الشمسية تشع في رؤوسنا وأجسامنا نهاراً وليلاً، ولا يخبو نورها أبداً، وليست الشمس هي الوحيدة المنتجة للنيوترونات، بل تسهم في ذلك النجوم التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة، وكذلك الأعداد التي لا تحصى من النجوم التي يمكن رؤيتها بواسطة التلسكوبات القوية.

النيوترونات عبارة عن جزيئات متناهية في الصغر، تعبر بصمت من خلال المادة، دون أن تصطدم بأي من جزيئاتها، وهي لهذا السبب تعرف باسم «الجزيئات الشبحية»، ففي كل ثانية تعبر جسمك تريليونات النيوترونات، وهذه الطبيعة الشيقة لها هي التي تثير فضول الفيزيائيين حيالها، كما أنها تحمل الكثير من الأسرار فهي تستطيع السفر بعيداً عبر الكون الفسيح دون أن تتعرض للاصطدام بشيء، حاملة معها الكثير من المعلومات القيمة حول الأحداث الكونية التي تجري بعيداً جداً عنا.

غير أن هذه الخاصية بالتحديد للنيوترونات هي التي تسبب التحدي الأكبر للعلماء والباحثين، إذ كيف يمكن رصد شيء لا يمكن إيقافه بأية وسيلة كانت، وهذا ما دفع العلماء لابتكار طرق يمكنهم من خلالها احتجاز النيوترونات، ومن تلك الطرق طريقة «المكعب الجليدي»، وهي تجربة حديثة تجري في المحطة القطبية الجنوبية «أمندسون سكوت»، أي في أبعد نقطة على وجه الكرة الأرضية تجاه الجنوب، ومما لا شك فيه أن هذا المكان لا يعتبر المكان المثالي لإجراء تجارب فيزيائية، فأعلى درجة حرارة تم تسجيلها هناك هي سالب ‬13 مئوية، لكن العلماء اختاروه بسبب الخصائص التي يتسم بها المكان، وبشكل أكثر تحديداً، بسبب كميات الجليد المتوفرة بكثرة. ويرى العلماء أن مكعب الجليد القطبي قادر على تزويدهم بمعلومات عن الفضاء وعن مجرة درب التبانة لم نكن نحلم بالحصول عليها في الماضي، وتعتبر طريقة مكعب الجليد استهلالاً لعلم الفلك النيوتروني، الآخذ في التطور حالياً.

وتجعل كميات الجليد الهائلة الموجودة في القطب من السهل على العلماء غرس المجسات المختلفة داخل الجليد النقي من أجل رصد الوميض الضوئي الناجم عن مهاجمة النيوترون لجزيء الجليد، وتذهب تلك المجسات بعيداً داخل الجليد لتصل إلى أعماق تتراوح بين ‬1,45 و‬2,45 كيلو متر، وهذا المشروع الواعد، المسمى «بناء المكعب الجليدي» هو مشروع دولي يجري بإدارة جامعة «ويسكنسون ماديسون»، وقد اختار القائمون عليه من العلماء الشهور التي تقع بين نوفمبر وفبراير لإتمام تلك التجارب، حيث يعتبر هذا الوقت من العام صيف قارة أنتاركتكا الجليدية، أي أن العلماء يكونون قادرين في خلال هذه الفترة على مواصلة عمليات الحفر دون انقطاع لأشعة الشمس مدة ‬24 ساعة في اليوم.

ويقوم حفار خاص برش الماء الحار لإذابة الجليد من حوله ليعبر طريقه نحو الأسفل، وما أن يصل إلى الأسفل، حتى يتجمد الجليد من حوله مرة أخرى ليثبته في مكانه، وفي التجربة التي تمت أخيراً فقد تم إرسال ‬89 خيطاً مربوط بكل واحد منها ‬60 مجساً إلى أسفل الجليد، حيث أرسلت المجسات إشارات إلى أجهــزة الكمبيوتر في الأعــلى ترصد من خلالها النشاطات الجــارية في قلب الجليد، ومن النشاطات التي يتابعها العلماء في التجربة باهتمام هو لحظة اصطدام النيوترون بذرة الجليد، وحينها يتحول إلى ميون ذي شحنة كهربائية، تاركاً وراءه ظلاً من الضوء الأزرق.

يتوقع العلماء أن تتمكن النيوترونات من إخبارنا عن أحداث جرت في الكون بالغة القدم، ومنها «الانفجار العظيم» الذي يرجح العلماء أن يكون الكون قد نشأ بناء على حدوثه.