إعداد: يوسف جباعته
في العاشر من نوفمبر عام 1975 تعرضت سفينة شحن البضائع «إس إس فيتزجيرالد» لعاصفة أمواج عاتية أغرقتها في المياه الكندية، وقتلت 29 بحاراً كانوا على متنها، ولم تعطهم فرصة حتى لإرسال نداء استغاثة، ولم تتمكن فرق المساعدة بعدها من استخراج جثثهم، وبالنظر إلى طول السفينة البالغ 220 متراً، وعرضها البالغ 22 متراً، يمكن تصور الحجم الهائل لتلك الأمواج الكبيرة ومدى عنفها.
وأصدر خفر السواحل الأميركي تقريراً، لاحقاً، أشار فيه إلى أن عجز البحارة عن تأمين الحماية للبوابات المؤدية لباطن السفينة الأمامي كان هو السبب الرئيسي في تلك المأساة، غير أن هذا الاستنتاج بقي دوماً محط سؤال وجدل في الأوساط العلمية، حيث أن الكثير من البحارة يشككون في أن يكون بحارة السفينة «إس إس فيتزجيرالد» مهملين لتلك الدرجة، وفي بداية العام الحالي بثت قناة «ديسكفوري» برنامجاً وثائقياً، خلص إلى أن السفينة لم تكن محظوظة بما فيه الكفاية لمواجهة موجة عاتية، بلغت من القوة بحيث أنها كانت تضرب جسم السفينة مرتين وهي لا تزال على السطح.
ويمتليء التاريخ البحري بتقارير عن أمواج عنيفة تظهر من العدم فجأة وتضرب بقوة بالغة، لكن برغم وجود العديد من هذه القصص، فإن فكرة ظهور الأمواج فجأة من العدم لم يقابلها العلماء بالكثير من التأييد، فالحكم على طول الموجة بالنظر من الأمور الصعبة علمياً، غير أن عام 1995 شهد ما يثبت حدوث ذلك، حيث تم رصد موجة بطول 26 متراً، عند منصة «دروبنر» للتنقيب عن البترول قريباً من سواحل النرويج في بحر الشمال، أي ما يعادل ارتفاع بناية مكونة من 10 طوابق، وهو ما يشكل ضعفي طول الأمواج السائدة في تلك المنطقة، ولم يتم رصدها بالعين، وإنما بواسطة جهاز ليزر مثبت على سطح المنصة.
وتشير الإحصائيات إلى أن مثل هذه الحالات الشاذة تحدث مرة واحدة كل 10 آلاف عام، غير أنه في عام 2001، تم استخدام قمرين اصطناعيين تابعين لوكالة الفضاء الأوروبية من أجل رصد ما يجري في المحيطات ضمن مشروع أطلق عليه «ماكس ويف»، وخلال ثلاثة أسابيع فقط، رصد القمران أكثر من 10 أمواج عاتية، لا تقل الواحدة منها عن 25 متراً.
يقول «كريغ سميث»، مؤلف كتاب «الأمواج العاتية» : «على امتداد القرون السالفة، كانت قصص الأمواج العاتية تظهر بعد وقوع المآسي، ونجاة بعض البحارة، لكن بما أنه كان من الصعب جداً التعرف على طول الموجة بالعين المجردة، فإن الكثير من الباحثين، وحتى الناس العاديين، كانوا يميلون لاعتبار تلك القصص جزءاً من مبالغات البحارة، لكن منذ انطلاق مشروع «ماكس ويف»، عقدت عدة اجتماعات ومؤتمرات تقنية في مناطق مختلفة من العالم، حاول من خلالها الباحثون النظر في الآليات المسببة لهذه الأمواج». وهذا الكلام يعني أن الأمواج العاتية دخلت قاموس العلم للمرة الأولى.
والكشف عن الآليات التي تقف وراء ظهور الأمواج العاتية ليس أمراً يخص الأكاديميين فحسب، وإنما الكثير من القطاعات التجارية والسياحية، حيث أن ما بين 50 إلى 100 سفينة تتعرض للغرق سنوياً، لأسباب كثيرة من أهمها الأمواج العاتية، لكن دراسة هذه الظاهرة أمر في غاية الصعوبة، فالباحثون يحتاجون للبيانات الدقيقة للاستناد عليها، وهذا أمر من الصعب تحقيقه، خاصة أن الأمواج العاتية لا تدوم إلا لدقيقة أو دقيقتين فقط.
ومن النظريات التي يؤيدها الكثير من العلماء هو أن الأمواج قد تنتج في حالات يتحرك التيار المائي خلالها بعكس الاتجاه الذي تتحرك فيه تيارات الأمواج، كما هي الحال قرب «رأس أغولاس» في جنوب أفريقيا، وهذا ليس أمراً محموداً، فالتيار يقلص سرعة الأمواج، ويضغطها بشكل عمودي للأعلى، غير أن المشكلة لا تنتهي هنا، فالأمواج ستسير بتموجات مشابهة لتموجات آلة الأكورديون الموسيقية صعوداً ونزولاً، وستتباطأ الأمواج المتقدمة قليلاً بسبب التيارات المضادة، وهذا سيسبب زخماً للأمواج الأعلى التي ستتجمع مشكلة موجة عاتية، وهناك الكثير من تشكيلات التيارات البحرية الأخرى التي تساعد على تكوين الأمواج الهائلة.
اكتشاف طول الأمواج وعنفها عبر مشروع «ماكس ويف» فتح آفاقاً جديدة أمام العلماء الذين يأملون أن يأتي يوم في المستقبل يكون فيه ممكناً التنبؤ بأماكن الموجات الهائلة وأوقات حدوثها، فهي لا تزال حتى اليوم تعتمد على الإحصاءات والنظريات التي قد تصيب وقد تخطيء.
