قال الشاعر والناقد العراقي الدكتور علي جعفر العلاق: في معظم نصوصنا الشعرية الحديثة مجافاة واضحة لشروخ الذات وتفجعاتها. تقرأ القصيدة، أحيانا فلا يعلق بروحك أو ضميرك وجدان ما. إنها خارج اصطدام الانفعالات، وتسأل نفسك أين يقيم هذا الشاعر؟

جاء هذا خلال المحاضرة التي ألقاها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في أبوظبي مساء أول من أمس، بعنوان «هذه التأملات حول كتابة القصيدة» واستهلها الزميل سلمان كاصد بالتعريف بالعلاق قائلا: حصل على دكتوراه في النقد والأدب الحديث من جامعة أكسترا في بريطانيا في العام ‬1984 عن رسالته المشكلات الفنية في شعر البياتي ـــ دراسة نقدية مقارنة، وترأس تحرير مجلة الأقلام الأدبية، ومجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، كما شارك في تحكيم العديد من الجوائز الشعرية، مثل جائزة مهرجان القاهرة للشعر، وجائزة مؤسسة عبد العزيز البابطين. وأضاف كاصد: أصدر العلاق العديد من المجموعات الشعرية منها وطن لطيور الماء، وأيام أدام، وفي مجال النقد مملكة الغجر، ودماء القصيدة الحديثة، في حداثة النص الشعري، وغيرها.

بعد أن قرأ د. العلاق قصيدة في مشهد آخر من رسالة الغفران، تحدث عن طقوسه بالكتابة قائلا: تبدأ القصيدة، لدي دون تخطيط، أو تصميم مسبق، هكذا همهمة جسدية وروحية تظل على الدوام، عصية على التحديد، عشبة من دخان اللغة، ورعدة ذات إيقاع خاص تتصاعد متشابكـتين من بين الأنقاض. ولست قادرا، لحظتها على تمييز ما يحصل في تلك البئر الفياضة بالضوء الغائم، والمباهج المنكسرة، كل شيء يبدأ مشوشا، مرتبكا لكنه يظل، مع ذلك ، لذيذا يحفز الحواس باستمرار ويغذيها باللهب، والتصدعات والتمتمة.

وأضاف: أقوى أحيانا، على الفرز بين اللغة والإيقاع، فهما يندفعان سوية يتقاطعان تارة وينسجمان في هبوبهما تارة أخرى. وأظل مسكونا بهذه الهمهمة، ممتلئا بدخانها العالي، وهو يهطل على الروح والجسد لفترة قد تطول وقد تقصر، وفي هذه الحيرة الوارفة، تتجمع فلول الإيقاع، وتتلبد الروح باللغة شيئا فشيئا.

وكما تقبل غيوم الخريف الأولى، أو ينبثق رعد على حافة أفق بعيد، هكذا تماماً، تقبل القصيدة متأججة غامضة، وما إن ينتهي هذا الاشتباك، حتى تبدأ ملامح النص بالاتضاح، فجر يطل مرتبكا على قرى مهدمة، وذكريات تتوهج باستمرار، وجوه لم أعد أعرفها لكثرة ما تراكم بيني وبينها.

ثم تحدث د.العلاق عن شعراء الستينات وأكد: هم أؤلئك الشعراء الذين يمكن أن تشتم في عظامهم رائحة الأسلاف الذين جعلوا من التراث طاقة لتصبح عافية باقية في النص، فشعراء الستينات مطلب جماهيري، وتعبير عن واقع سائد.

ورأى العلاق أن الحركة الشعرية تشوبها شلليات وتبادل مصالح وليس الشاعر النجم هو شاعر حقيقي. وبالنسبة للقصيدة هناك خسارات في الشعر، وهي إنسانية وشعرية، والأخيرة هي الأهم، خاصة حين يساوم الشاعر على الحقيقة، وكم من نصوص ليس لها سوى القافية والوزن، ونحن اليوم نفتقد إلى شعراء فرسان، فمعظم الشعراء اكتفوا بالحداثة الشعرية.

وأكد د. العلاق أن القصيدة لغة قبل كل شيء، ولغتها هي توصلنا إلى عناصرها الأخرى. في الشعر تكون اللغة خاصية الشاعر الأولى أو مأثرته الكبرى، ولذلك نتحدث عن لغة السياب، ولغة أدونيس، ولغة محمود درويش، وآخرين. ولا أعني باللغة هنا، مفردات الشاعر، التي يكثر معدل ترددها أو تكرارها في قصائده، أو معجمه الشعري فقط، بل شمائله اللغوية وعاداته في بناء العبارة، وقدرته على تحويل الجملة اللغوية إلى جملة شعرية، أي القدرة على تليين القاعدة اللغوية السائدة، وتكييفها شعريا. لا بمعنى إلحاق الأذى بها، واختلاق المعاذير للإساءة إليها، بل أعني الإصغاء لهاجس الشعر لا لمنطق اللغة فقط.