بعد صعود روايتها إلى القائمة القصيرة لـ «بوكر العربية» وفوزها بجائزة نجيب محفوظ

ميرال الطحاوي: «بروكلين هايتس» ليست سيرتي الشخصية

بعد يومين من إعلان جائزة البوكر العربية في أبوظبي عن تضمن قائمتها القصيرة رواية «بروكلين هايتس» للكاتبة المصرية ميرال الطحاوي، أعلن في القاهرة عن فوز الرواية بجائزة نجيب محفوظ التي تمنحها الجامعة الأميركية.

يتصدر روايتك الجديدة «بروكلين هايتس» مقطعاً للشاعرة الإيرانية «فروغ فرخ زادة» فما الذي اجتذبك إلى هذه الشاعرة؟

لا أعرف متى اكتشفت فروخ. أهو مع ديوانها الجميل «وحده الصوت يبقى»؟ أم مع سيرتها الذاتية المترجمة؟ وبالعموم وجدت في تعمقي بتجربتها أن الكثير من الجامعات في أميركا تدرس شعرها، خصوصاً في أقسام دراسة اللغة الفارسية، التي هي جزء من دراسات الشرق الأوسط، ووجدت الكثير من الاهتمام بها داخلي. أعترف أنني أحب الشعر بشكل عام. وأتابع الشعر النسائي بشغف، وقد كانت بداية افتتاني بالكتابة في ما جمعته من أشعار بدوية وضمنته نصي الأول «الخباء».

كما كنت وما زلت مفتونة بالأغاني الشعبية التي هي نتاج أنثوي بامتياز. وبالطبع أنا قارئة لكل أجيال الشعر النسائي العربي: ظبية خميس، ميسون صقر، سعدية مفرح، إيمان مرسال، فاطمة قنديل، سوزان عليوان، نجاة علي. وغيرهن الكثيرات. وكمتحيزة للنساء أجد أن الشعر الذي يكتبه الرجل فيه كثير من النرجسية والاستعراض واستحلاب الأنوثة، وصورة المرأة كمنشط هرموني يفرز علاقة مفترضة. وهنا لا أحب التعميم، ولكن منذ نزار قباني وشعر الرجل العربي يستعرض نرجسية مفرطة مع كثير من الاستثناء بالطبع. ومع تأكيد مبدئي أن هذا الرأي قابل لكثير من الجدل. لكن بقيت فروخ هي النموذج الذي انظر إليه بتبجيل، وبتعاطف وتقدير وتفهم، ولا ادعي أنني أشبهها لكن على الأقل شعرت بأن علاقتها بالمحرمات، والبوح بالصدق، والتمرد بالأمومة، أمور تتقاطع مع رغبتي في الكتابة.

حملت فروخ معي وأنا مسافرة، وقرأتها في لحظات كثيرة. مع رقصة التانجو في الرواية ومع لحظات أخرى، شعرت بأننا ننتمي لهذا الشرق الذي لا يعرف كيف يتخلص من قديمه ولا يتعانق مع جديده. وأحب أن أقول إن ثمة علاقة روحية بيني وبين نص فروخ.

 

رصد روائي للمتغيرات

أشار كثيرون إلى أن روايتك ترصد العلاقة بين الغرب والشرق، لتنضم إلى قائمة روائية، ربما تبدأ بيحيى حقي وتوفيق الحكيم والطيب صالح، فما الذي طرأ على شكل تلك العلاقة كما كشفت عنها روايتك؟

لا أعرف؟! تغير الغرب، تغير العالم بعد الحادي عشر من سبتمبر وحرب العراق والقاعدة. أصبح باراك أوباما متهما بالإسلام، أصبح الحزب المحافظ يتندر على المهاجرين العرب والنمو الديموغرافي الإسلامي. ويقولون غدا سيحكمنا قانون الشريعة. أصبحت الديانة تختصر الشرق، توارت أسطورة الشرق وما بعد الاستعمار وانتقام الفحولة الشرقية من المستعمر، لم يعد الشرق عصفوراً، صار غولاً يتخفى تحت البركة ويدبر لابتلاع الحضارة الإنسانية، تغير العالم وصار الحضور الشرقي حضورا لاجئا غير مرغوب فيه، محملا بخلافاته العرقية والإثنية. فمع اللجوء العراقي والنزوح اللبناني والفلسطيني، أصبح حتى في قلب نيويورك، يوجد مساجد للسنة وأخرى للشيعة. وبدأت حرب المساجد وصارت إعلانات الحزب المحافظ «أميركا ليست أرضا للمساجد. ارفعوا أيديكم عن نيويورك». صرت تسمع في بلدان صغيرة تلك التجمهرات التي نادت بحرق القرآن وعودة أميركا مسيحية محافظة.

تغير العالم وسيتغير أكثر والعلاقة مع الغرب لا يمكن أن تظل رهينة الاستشراق وما بعد الكولونيالية، هناك أوجه جديدة للرؤية وللجدل، أعتقد أيضاً أنني حاولت رسم معطيات قد تضيف للصورة أبعادا أوسع، وبالطبع بطلتي أنثى حملت معها هما أنثويا خالصا.

 

صورة وحنين

تبدو روايتك وكأنها نوع من الحنين إلى وجوهك الأولى وطفولتك وشوارعك القديمة وذاكرتك. فهل يتسق هذا مع فكرة التمرد على الماضي التي دفعت بك في طريق الإبداع؟

التمرد على الماضي دوما يستحضر الماضي بلا شك. أن تحضر الحائط الصلد الذي بداخلك ثم تبدأ بمحاولة تسلقه أو فهمه أو هدمه. كانت علاقة البطلة بالرجل تسير من فشل إلى فشل. وكانت صورة الأب الكامنة في اللاوعي كاشفة دائما ما يلجأ الطبيب النفسي للماضي للتعافي في الحاضر، أردت أيضاً أن ارسم صور قادرة على عكس بعضها البعض وتفسير بعضها البعض.

أنا متهمة بالحنين دائما، حاولت تفسير ذلك كثيرا ولكن كل الكتابة مصدرها حنين ما، الكتابة هي محاولة للفهم، ودائما الرواية بحاجة لتاريخ ما، تاريخ اجتماعي، تاريخ ذاتي، تاريخ زمني، هذا ليس تبريرا، لا اعرف كيف ارصد العلاقة بالماضي وبالطفولة في كتابتي.

 

الهوية والانكسار

روايتك «الباذنجانة الزرقاء» تعبر عن ضياع الهوية وانكسار الذات وهزيمة الحلم. فهل يمكن أن تجدي في «بروكلين هايتس» ما ضاع منك، أم أن أوجاع الغربة تؤدي بك إلى حالة من التشظي في إبداعاتك؟

للأسف ليس هناك غير انكسارات متواترة، دائما نعيشها بمختلف الصور. أنا أقول دوما إن الهرب أيضاً ليس حلا، حتى لو حملنا حقائبنا وهجرنا هذا الوطن فلن نجد على جسر بروكلين إلا جسراً من الهويات المتكسرة، وإن كل ما حملناه في حقائبنا سيظل ثقيلا ويردنا باستمرار إلى حيث كنا. لا اعرف؛ هناك عبارة مختصرة لإدوارد الخراط الروائي الكبير تقول إن القبر هو الوطن الوحيد والبيت الوحيد الذي نمتلكه. وربما أضيف إلى ذلك هوس الهاربين بالعودة للوطن حتى في صناديق خشبية، هوس الحضارة الفرعونية بفكرة الفن والعودة للأرض. أعتقد أيضاً أن الرواية رغم أن أحداثها في بروكلين لكنها تنتمي بشكل عميق لتلال فرعون حيث يرقد موتانا جميعا.

 

انتماء ذاتي

متى تتحول ميرال الطحاوي إلى الكتابة عن ما يدور خارج السيرة الذاتية لصناعة عمل روائي؟

لا اعتقد أن «الخباء» كانت سيرتي ولا «نقرات الظباء» ولا حتى «بروكلين هايتس» الرواية هي سيرة أبطالها المتخيلين. هل تعتقد أن ما تكتبه علوية صبح أو سلوى النعيمي أو فضيلة الفاروق أو أحلام مستغانمي، هي متتاليات من السير الذاتية؟ بالطبع لا. نحن نكتب عن المؤنث، ولا أجد بطولة في صناعة نص على لسان رجل أو نص يتخلص من ظلالي ككاتبة، ولا أجد حاجة لذلك. كل سيري تنتمي إليّ ككاتبة، وهي لا تلخص حياتي على الإطلاق. ولا اعرف كيف يظل الإسقاط ماثلا أمام تعدد التجارب. اعتقد أن هذا ما قصدته حين استحضرت فروخ. وكانت كل كتابتها يتم تفسيرها بهذا المنظور الضيق لفهم كتابة المؤنث.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات