لم تنقطع تجربة الشاعر العراقي حميد سعيد عن ان تثير الجدل سواء في الأوساط النقدية أو الجامعية. فقد صدر هذا العام كتابان عن تجربته الشعرية هما: كتاب الناقد الفلسطيني سليم نجار «تحولات القصيدة: قراءة جمالية وفكرية في شعر حميد سعيد»، عن دار تالة للنشر والتوزيع ــ سوريا. ورسالة جامعية، جامعة بابل/ العراق، بعنوان «مصادر الصورة في شعر حميد سعيد» للباحث رشيد هارون، صدر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع ــ الأردن .
مستويات
تضمن الكتاب الأول لسليم النجار خمسة فصول، توزعت على موضوعات متنوعة: لماذا حميد سعيد، العقل والمثل الأعلى، والصورة الشعرية.. الوعي والذاكرة، والسرد شيطان الروح، والشعر روح المقاومة. ويؤكد في هذه الفصول أن قراءة حميد سعيد يمكن أن تتم على مستويات متعددة، لأن غنى تجربته لا انقطاع فيها، لذلك جمع انجازه الشعري في دواوين قليلة، ولكن لكل ديوان من دواوينه تجربته الخاصة، المرتبطة بمرحلة تاريخية من حياة بلده. وهذا التشابك العميق بين شعره وتفاصيل بلده جعله شاعراً متميزاً على مستوى كتابة الشعر في العالم العربي. ويتعامل الناقد مع شعره على أساس اللوحة التشكيلية، ويقارن بين قماش اللوحة والصفحة البيضاء. فقد كان الشاعر ضد الصمت، مؤكداً على كل إبداع في الشعر يجب أن يكون إبداعا في اللغة، يرافقه التخطيط المعماري. ويبرر اختيار حميد سعيد للدراسة كونه يتعامل مع الشعر من خلال تزاوج الرؤيتين الأخلاقية والتاريخية، كما أنه بعيد كل البعد عن استنساخ التجارب الشعرية للآخرين. وهو يمزج بين العقل والمثل العليا في نصوصه. فالشاعر يقف على الجسر الواصل بين الصورة الشعرية واللغة. ويتطرق إلى الصورة الشخصية في شعره، المبنية على الواقع والخيال، وما تسعى إليه من رؤية فلسفية. ويعتبر الناقد البطل في شعر حميد سعيد، بطلاً سارداً في عالم يكتظ بالمعرفة. ولذلك عنون أحد فصول كتابه بـ «السرد شيطان الروح».
ويختتم الناقد فصله الخامس بأن حميد سعيد يعتبر الشعر روحاً مقاومة ومتمردة. وفي هذا السياق، يمكن قراءة حميد سعيد. وهو ما يؤدي بالضرورة إلى قراءة خطاب المقاومة الشعرية. وهذا ما يفضي إلى إثارة أسئلة العصر. وحرص الناقد سليم نجار على الاستشهاد بأبيات من شعره، وثبت المصادر والمراجع.
صورة شعرية
أما كتاب «دراسة مصادر الصورة في شعر حميد سعيد»، فهو في أصله دراسة جامعية، يمهد فيه الباحث رشيد هارون دراسة الصورة في الشعر الحديث، وعلاقتها مع ذات الشاعر. ويدرس الباحث في الفصل الأول: الإنسانيات، التي تضم الأصدقاء وما كتبه الشاعر من قصائد عن أصدقاء طفولته ومراحل حياته الأخرى ومدينته الحلة التي ارتبط بها وجدانياً.
هواجس وهموم
ويقيم الشاعر علاقات وجدانية مع الشخصيات الأدبية وخاصة المتنبي. ويركز الباحث اهتمام الشاعر بالمرأة على المستويين الفني والروحي. ويعالج في الفصل الثاني المصادر الثقافية التي اعتمدها الشاعر، من الفن التشكيلي، والقرآن الكريم، والشخصيات التاريخية، وهواجسها وهمومها التي يحوّلها إلى همومه الشخصية. ومما لا شك فيه أن شخصية الحسن تأخذ مكاناً هاماً في شعره، بوصفه ثائراً ورافضاً لكل المظالم في التاريخ. ولاحظ الباحث أن الفن التشكيلي يهيمن على ما سواه من أشعاره. وتأتي المدن العربية من المصادر المكانية الهامة في إبداع الشاعر: فلسطين، اسبانيا، التي كتب عنها مجموعة من القصائد: غرناطة، بلاثامايور، صيغة مقترحة للملحمة الغجرية، المرور في شوارع سلفادور دالي الخلفية وغيرها من القصائد.
ويختتم الباحث رشيد هارون بأكثر من عشرين استنتاجاً، أهمها أن أكثر المصادر تمثيلاً لذات الشاعر هي التي تقربه من فرديته.
