الوقت الآن يناهز الفجر، وبعد عشر ساعات كاملة من عمليات الحراسة والمراقبة وسط الريح والأمطار،لا يزال الحارس يقظاً، على الرغم من أنه لم يترك باباً أو قفلاً من أبواب المنشأة الأميركية النائية إلا وتفقده، ومضى يجول بلا كلل أو ملل حاملاً سلاحه ومتأهباً لأي طارئ، دون أي إحساس بالخوف أو التردد، وبحواس حادة قادرة على رصد أي دخيل من على بعد مئات الأمتار، حتى في الظلمة الحالكة.

هذا الحارس ليس إنساناً وإنما هو روبوت يعمل على حراسة المنشآت الحساسة، وينتشر أمثاله في مناطق كثيرة في العالم، وبخلاف الروبوتات المخصصة لنزع القنابل، التي تعمل بواسطة التحكم عن بعد، فإن هذا الروبوت يعمل باستقلالية تامة، ويقوم بمهام الحراسة والمراقبة دون الحاجة لوجود مشرف عليه، وتقوم تلك الروبوتات بمهمات التجوال حتى تعثر على شيء يتطلب تدخل البشر فيقوم بالتنبيه إليه.

وتعمل مؤسسات أميركية على تطوير هذا النوع من الروبوتات منذ الثمانينات من القرن الماضي، وكان التحدي الأكبر الذي يواجه هذه التقنية ولا يزال هو جعل تلك الروبوتات قادرة على تمييز العقبات الحقيقية وتجنبها، وتجنب الخيالات أو غيوم الغبار، التي قد تظهر وكأنها أجسام صلبة بالنسبة لمجسات هذه الروبوتات.

لكن هذه التقنية وصلت حالياً إلى مرحلة من النضج، والعديد من الروبوتات غادرت المختبر، وبدأت العمل في حراسة المنشآت، ورصد المتطفلين، كما أعلنت مؤسسة نيفادا للأمن القومي، إحدى الفروع التابعة لإدارة الأمن النووي الأميركية، أخيراً، أنها أطلقت ثلاثة روبوتات جوالة تعمل بشكل مستقل، من تصميم شركة «جنرال دايناميكس روبوتيكس»، ومقرها مدينة وستمنستر، في ولاية ميريلاند الأميركية، من أجل حماية مخلفاتها الإشعاعية وموادها النووية الأخرى.

يبلغ حجم الروبوت الجديد حجم سيارة صغيرة، ويقوم بجولاته التفتيشية بشكل عشوائي، كما يمكنه التنقل على جميع أنواع الطرق المعبدة وغير المعبدة، ولا يحتاج البشر إلى التدخل إلا في حالة نبههم لذلك الروبوت نفسه، الذي يعرف اختصاراً بأحرفه الأولى «أم دي أي آر إس»، وهذا يتيح المجال لأن يقوم مشرف واحد بعملية الإشراف على مجموعة من الروبوتات في آن واحد.

والروبوتات الجديدة مزودة برادار وأشعة ليزر قادرة على رصد العقبات المختلفة، كما أن تلك الروبوتات مزودة بكاميرات تصوير حراري قادرة على رصد البشر، بالإضافة إلى كاميرات فيديو عادية، وفي حال رصدت أياً من البشر، فإن المشرف على الروبوتات يقوم بتحذيرهم عبر مكبرات للصوت، ويستجوبهم عبر نظام صوتي تبادلي، كما يمكن تزويد تلك الروبوتات بأضواء قوية وعالية الكثافة تعمل على إبهار المتطفل وشل حركته، حتى يأتي الإسناد البشري.

وبإمكان تلك الروبوتات التأكد من أنه لم يتم تحريك البضائع المخزنة عن طريق قارئ إلكتروني يشبه ذلك المستخدم في محلات السوبر ماركت والمستودعات التجارية، كما طور مركز أنظمة الحرب البحرية الأميركي أسلحة غير قاتلة يمكن تثبيتها على تلك الروبوتات، تشتمل على بندقية تطلق رصاصاً للتلوين فقط.

حيث يمكن حشوها بصبغ غير قابل للمحو، أو كرات من الفلفل تتسبب بغيمة من الغبار المثير للعطاس، في حال اصطدامها بشخص ما، وفي المرحلة الحالية يمكن إطلاقها عن طريق المشرف على الروبوت، لكن يجري العمل للوصول إلى إلقاء هذه المهمة بالكامل على عاتق الروبوت في المستقبل.

ومن ناحية أخرى، تقوم شركة «جي نيوس» لأنظمة الحماية الأرضية التي تعمل دون تدخل بشري بتطوير عربة آلية تسير فوق الأراضي الوعرة أسمتها «غارديم»، لديها مجسات رادارية بصرية تحت حمراء، ونظام صوتي تبادلي للتحقيق مع المتطفلين، كما تمتلك مجسات خاصة قادرة على تحديد مصدر النيران المعادية، ويمكن تزويدها ببنادق وكذلك أسلحة غير قاتلة.

وتتبقى مسألة واحدة متعلقة بهذه الروبوتات، وهي مدى تقبل الناس لها من النواحي الأخلاقية، حيث يرى «نويل شاركي»، البروفسور في جامعة شيفيلد البريطانية، أن تلك التقنية قد قطعت شوطاً طويلاً في مجال الرصد والمراقبة، وكذلك القدرة على القتل، ويضيف: «لا يمكن لأية آلة أن تمتلك القدرة على تمييز العدو من الصديق، وستقتل دون تمييز».