لا يكاد عددهم يتجاوز الـ 41 شاباً وفتاة، لم تجمعهم الصدفة وإنما حالتهم الخاصة، حيث يعانون جميعاً من كف البصر، اجتمع هؤلاء على حب القراءة وتعلمها من خلال مسابقة حملت شعاراً كبيراً مفاده «الجميع يقرأ» لتثبت بذلك أن القراءة ليست حكراً على المبصرين وحدهم، وإنما بإمكان المكفوفين أيضا ممارستها وتعلم المفردات وتوسيع خيالهم عبرها، ولكن الفرق أنهم يقرأون في صفحات قد نظنها للوهلة الأولى بيضاء، إلا أنها ليست كذلك لأنها كتبت بلغة برايل.
في هذا العام أكملت مسابقة مؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية عامها الرابع، لتبدو كطفل يترعرع بسرعة، فقد أضحت من أهم المسابقات في عالم المكفوفين، وذلك يبدو من خلال أعداد المشاركين فيها الذي ارتفع بشكل ملحوظ ما بين الدورة الأولى والرابعة، وهو ما وسع من طموح القائمين عليها إلى تعميم هذه المسابقة على مستوى الخليج مستقبلاً.
بحيث تستهدف أكبر عدد من المكفوفين لتعليمهم أصول القراءة ورفع نسبة المفردات اللغوية لديهم، في تحقيقنا التالي ارتأينا تسليط الضوء على هذه المسابقة والتعرف على أهدافها وطموحاتها، وما أحدثته من تأثير على المشاركين.
التعليم الشفوي
تقول شيخه عبيد السويدي، منسقة المسابقة رئيسة لجنة تقييم المشاركين بمطبعة المكفوفين في مؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية: «لاحظنا أن الطلبة المكفوفين قد تعودوا في السنوات الأخيرة على التعليم الشفوي سواء في التلقي أو الإجابة على أي سؤال يتلقوه في مدارس الدمج، إلى جانب توجه الكثير منهم نحو البرامج الالكترونية الناطقة الأمر الذي قلل لديهم الرغبة بالقراءة في لغة برايل أو الكتابة بها.
ومن هنا جاءت هذه المسابقة التي تهتم بشكل رئيسي بتقوية هذه اللغة لديهم، لأن لغة برايل تعتبر من أهم طرق التواصل بين المكفوفين والعالم، ومن خلالها يمكنهم الاطلاع على الكتب الثقافية والأدبية المختلفة، كما أنها تساعدهم على التعامل مع الأجهزة الالكترونية التي تستخدم هذه اللغة.
فضلاً عن أن المسابقة تهدف أيضا إلى رفع نسبة المفردات لدى هؤلاء الطلبة وتقوية الصورة الخيالية لديهم وتوسيعها»، وقالت: «منذ الدورة الأولى للمسابقة والمؤسسة تحرص على توزيع القصص واستمارات المشاركة خلال شهر يونيو من كل عام، ويتم بعدها تحديد أماكن تقييم المتسابقين وعادة يكون ذلك في شهر أكتوبر، وتوزع أماكن التقييم بحسب المناطق التعليمية للمشاركين.
أما إعلان الفائزين وتكريمهم فيتم في شهر نوفمبر وذلك خلال حفل تقيمه المؤسسة ويحضره راعي المسابقة الشيخ هزاع بن حمدان بن زايد آل نهيان وقيادات المؤسسة ونخبة من الجهات الداعمة والقيادات التربوية والمكفوفين في الدولة».
استطاعت هذه المسابقة في دورتها الرابعة أن تكسر حاجز الخوف بين العديد من الطلبة المكفوفين ولغة برايل، ويبدو ذلك من خلال ارتفاع مستوى المشاركة فيها، حيث وصل عدد المشاركين إلى 41 مشاركاً، في حين أن العدد لم يتجاوز العشرين في دورتها الأولى، وحول ذلك قالت شيخه: «المشاركون في هذه المسابقة هم الطلبة المكفوفون من مراكز التعليم المختلفة بدءاً من المرحلة الابتدائية وحتى المرحلة الثانوية، وفي دورة هذا العام تم إضافة المستوى الجامعي لها.
وبالنسبة لنا قمنا باختيار عدد من الكتب المتنوعة التي تم اعتمادها وتقييمها من قبل جهات رسمية في الدولة مثل جائزة فاطمة بنت هزاع لقصة الطفل العربي، ووزارة الثقافة وغيرها، ونحن بدورنا نقوم بتحويلها إلى لغة برايل حتى يتمكن الكفيف من قراءتها، وقد تمكن المشاركين من انجاز هذا الهدف خلال فترة الصيف الماضية».
اختيار القصص
وحول طبيعة الكتب التي قام الطلبة المكفوفين بقراءتها قالت شيخه: «لقد كانت عملية اختيار القصص دقيقة بحيث تخدم المجال البيئي والتراثي وتعمل على تنمية خيال الطفل، وتوسع مداركه، وتخدمه في المناهج الدراسية، إلى جانب إنها تساعده في تعلم قراءة لغة برايل التي تطبع بها المناهج التعليمية.
وفي السنة الماضية قمنا باختيار عدد من روايات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وتم طباعتها بلغة برايل وتوزيعها على المشاركين في الدورة الثالثة».
تحسن كبير
وعن الفرق بين الدورة الأولى والرابعة من هذه المسابقة قالت شيخه: «لقد تطورت المسابقة بشكل ملحوظ خلال هذه الفترة، فمن جهة شهدت زيادة كبيرة في عدد المشاركين، ومن جهة أخرى لاحظنا من خلال الزيارات التي قامت بها لجنة التقييم للمشاركين فقد شعرنا بوجود تحسن كبير لدى الطلبة المكفوفين في طريقة القراءة وسرعتها والإلمام بالقصة وهذا دليل واضح على ما أحدثته المسابقة لدى هؤلاء الطلبة».
وذكرت شيخه أنه لأول مرة تمكنت المؤسسة من استخراج رقم دولي لهذه القصص عن طريق وزارة الشباب، وهو ما يعتبر إنجازاً مهماً للمسابقة التي تستهدف ما يقارب 70 ـ 80 طالباً (ذكر وأنثى) من كل المستويات.
الفئة المستهدفة
وبما أن المكفوفين هم الفئة المستهدفة من هذه المسابقة، كان لا بد من معرفة آرائهم حول مدى التأثير الذي تركته في نفوسهم، خاصة وأنها قامت بتشجيعهم على ممارسة القراءة، وحول ذلك التقينا هشام صالح الواحدي، الذي انضم إلى هذه الشريحة في سن الرابعة عشرة بعد إصابة عصبه البصري بمرض تسبب بموت الخلايا.
حيث قال: «هذه هي المرة الأولى التي أشارك فيها بهذه المسابقة، وبالنسبة لي فقد استفدت منها كثيرا فقد أصبحت قراءتي أسرع وأفضل من قبل، وساهمت هذه المسابقة بتقليل الأخطاء لدي بصورة ملحوظة، إلى جانب أنها ساعدتني في التعرف على أناس جدد التقيت معهم أثناء التقييم».
وأضاف: «بتقديري أن المسابقة تتميز بأن لها مستويات مختلفة تصل في عددها إلى خمسة، وقد كنت ضمن المستوى الخامس المخصص لطلبة الجامعات، ولذلك أشعر بأن دخولي هذا المستوى قد زاد من كمية المفردات الموجودة لدي».
وأشار الواحدي الحاصل على شهادة البكالوريوس في تخصص اللغة العربية والدراسات الإسلامية من جامعة الحصن بأبوظبي إلى أن الاستفادة الكبيرة من هذه المسابقة إنها تأتي في فصل الصيف، حيث يكون المكفوف متفرغا للقراءة، ويمكن له من خلالها تحسين قراءته على لغة برايل.
يذكر أن الواحدي وبعد فقدانه لبصره قد أصر على تعلم لغة برايل على يد الأساتذة أحمد الملا ونور الله وذلك في مركز التأهيل بأبوظبي، وقد اعتمد على هذه اللغة خلال دراسته في المرحلتين الإعدادية والثانوية، أما المرحلة الجامعية فقد اعتمد الواحدي على أسلوب التسجيل حتى يتمكن من دراسة المواد.
خطوة جيدة
من جهته قال عبد العزيز نجم، الطالب في مدرسة الحميدية بعجمان، وأحد المشاركين في المسابقة: «أعتقد أنها خطوة جيدة، فهي تعيننا على تعلم لغة برايل وتحسين أدائنا فيها، خاصة وأن معظم المكفوفين باتوا يعتمدون في تواصلهم مع العالم الخارجي على الأجهزة الناطقة والتكنولوجيا، إلى جانب التعليم الشفوي خاصة في مدارس الدمج، وهو ما ساهم بابتعادهم عن لغة برايل التي لم يعد الكثير من المكفوفين يتقنها».
وأضاف: «لقد عملت هذه المسابقة على تحسين قدراتي في القراءة، وزادت من المفردات لدي، إلى جانب أنها وسعت من خيالي وجعلتني قادراً على الكتابة بأسلوب أجمل، بالإضافة إلى أنها عملت على تقريبي من الكتابة والتأليف لمسرحيات وقصص صغيرة.
وأعتقد أنه لولا هذه المسابقة لما زاد شغفي بالمسرح والتمثيل، فضلاً عن ذلك فقد قوت في نفسي حب الخطابة التي أصبحت أتقنها وأشارك بها في معظم المناسبات التي تقام في الدولة»، وتمنى أن تستمر مثل هذه المسابقات وأن تعمم على منطقة الخليج لما فيها فائدة للمكفوفين.
دور الكتاب
لقد لعب الكتاب والأدباء دوراً مهماً في هذه المسابقة، لدرجة وصلت أن تنازل بعضهم عن حقوقه في الطبع والنشر ليقدمها كهدية إلى المؤسسة كنوع من المساهمة في تثقيف وتعليم فئة المكفوفين، وبحسب المؤسسة فقد تم اختيار قصص مختلفة لـ 19 كاتباً وقاصاً، وتم تقييم واعتماد قصصهم من قبل جهات ومؤسسات رسمية في الدولة.
وعن أسباب مشاركته في هذه المسابقة، قال المهندس عمران محمد الشحي الذي يعمل مهندساً زراعياً في إدارة الثروة السمكية في وزارة البيئة والمياه، وصاحب قصة «فطووم والأطوم» المشاركة في المسابقة: «يمثل المكفوفين شريحة مهمة في المجتمع وقد أبدت الدولة اهتماماً بالغاً بهم وحاولت جاهدة توفير كافة احتياجاتهم إلى جانب تسهيلات مختلفة لهم لمساعدتهم على تحدي هذه الإعاقة والعيش داخل المجتمع دون مشكلات تذكر، ولذلك فمن واجبنا نحن أن نعمل على تسخير كافة الطاقات البشرية لتوفير الإمكانيات لهم في المجالات الأدبية والثقافية المختلفة».
وأضاف: «لقصة «فطووم والأطوم» أهداف سامية تسعى إلى تحقيقها من خلال تعريف القارئ بالكائنات البحرية المهددة بالانقراض، وضرورة المحافظة على البيئة البحرية والثروات الطبيعية تماشياً مع إستراتيجية الدولة في هذا المجال.
وقد حصلت القصة على إشادة فئات كثيرة من المجتمع، خاصة بعد ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، وقد أحببت توصيل أهداف القصة إلى هذه الفئة لتشارك هي الأخرى المجتمع في التعرف على البيئة البحرية والثروات الطبيعية»، وأشار الشحي إلى أنه يشعر بسعادة بالغة لتحويل قصته إلى طريقة برايل، وهو ما مكن شريحة المكفوفين من قراءة القصة والتعرف على أهدافها.
واعتبر الشحي إن طباعة القصص بطريقة برايل واجب أدبي وأخلاقي، لأن الأدباء بذلك يخدمون شريحة مهمة في المجتمع لها الحق في التعلم والقراءة، خاصة وأن بعضهم قد أصبحوا أدباء وتمكنوا جيداً من اللغة ومفرداتها، ودعا الشحي الكتاب والأدباء إلى الاجتهاد في طباعة قصصهم بطريقة برايل لخدمة شريحة المكفوفين.
مطبعة
بتوجيهات من الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة تم في يناير 2006 تسليم مطبعة المكفوفين لمؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية وذوي الاحتياجات الخاصة وشؤون القصر.
وبدأت المؤسسة إدارة وتشغيل المطبعة لتستمر مسيرة العطاء لأبنائنا المكفوفين وضعاف البصر على مستوى الدولة، بهدف تمكينهم من الدمج التعليمي والثقافي والدمج بكامل أنواعه في مجتمعهم. وتعتبر مطبعة المكفوفين أحد مراكز قطاع ذوي الاحتياجات الخاصة بمؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية.
وهي المطبعة الوحيدة في الإمارات التي تقوم بطباعة المواد التعليمية (المناهج التعليمية والوسائل التعليمية) والثقافية والقصص بطريقة برايل للمكفوفين، وتقدم خدماتها للمكفوفين وضعاف البصر على مستوى الدولة.
إبداعات
أفرزت المسابقة عدداً من المواهب (من الطلبة المكفوفين) والذين أصبحوا يكتبون القصص التي يتم طباعتها لهم بلغة برايل، ولكن لم يتم تضمينها بالمسابقة هذا العام، ويخطط القائمون على المسابقة في ضمها خلال السنوات المقبلة بعد الاطلاع على المستوى الذي يصل إليه الطلبة المكفوفين.
ولقد خرجت هذه المواهب من الدورة الثانية للمسابقة، ويمكن القول إنه مع الدورة الرابعة أصبح لدينا خمسة كتاب مكفوفين إلى جانب أنها نجحت بتخريج متحدثين يتقنون فن الخطابة والتمثيل نتيجة لاتساع خيالهم، وكنوع من التكريم لهم تضمن حفل التكريم عرضاً لمسرحية من تأليف وتمثيل المكفوفين أنفسهم، وتطمح المؤسسة في السنوات القادمة إلى إيجاد قسم خاص لهؤلاء المبدعين والمواهب التي تخرجها المسابقة، كما تطمح أيضا إلى رفع نسبة المشاركين في المسابقة وتعميمها على مستوى الخليج.
غسان خروب

