يقبل عيد الأضحى من كل عام ويحمل معه فرحة عامة في جموع المسلمين في شرق الأرض ومغربها بأداء مناسك فريضة من أعظم فرائض الإسلام وهي حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً، كما أنها تشمل حتى غير الحجيج بفرحة العيد واجتماع الأهل والأصدقاء ووصل ما انقطع من علاقات بين الأقارب.

وتبادل التهاني والأمنيات السعيدة، لكن هناك شريحة من كبار السن والعجزة، ربما لا تعيش مثل هذه الأفراح، بسبب إقامتها في مراكز ودور المسنين، ولفقدان البعض لأسرهم، أو أنها بدون عائل في الأصل، هذه الشريحة هي بحاجة ماسة، إلى الحنان والرعاية والى مزيد من الزيارات، من قبل الأصدقاء وزملاء العمر سابقاً.

وأيضا من جيرانهم القدامى، كما أن زيارات طلبة المدارس لهذه الشريحة من المسنين وكبار السن، تخلق في أنفسهم، البسمة والراحة التنفسية، ولربما تعيد في أنفسهم ذكريات الأمس وصور من الماضي، ولأهمية هذه الزيارات ومدى تأثيرها الايجابي، استطاعت مديرة إحدى دور رعاية كبار السن والمسنين، من تشكيل جماعة أصدقاء المسنين.

وهم من الأصدقاء أو الجيران القدامى، دورها زيارة المقيمين بالدار، وقضاء بعض الوقت معهم، ومرافقتهم أثناء الرحلات الخارجية، وهي فعلاً فكرة جميلة، استطاعت أن تشرك 30 شخصاً من كبار السن، وتؤسس لهم اسما يحمل «جماعة أصدقاء المسنين».

«البيان» زارت إحدى هذه الدور، والتقت بعدد من المسنين وكبار السن، لتهنئتهم بمناسبة عيد الأضحى المبارك، كما دار نقاش جرى معظمه عن ذكرياتهم في الأعياد، وكيف يحتفلون بهذه المناسبة في بيتهم الكبير، كما التقينا بعض أصدقائهم، الذين يأتون إليهم لتسليتهم ومرافقتهم في رحلاتهم الخارجية.

أصدقاء المسنين

في البداية تحدثنا إلى خلفان حميد الشامسي «83 عاماً» الذي قال: من الواجب الإنساني والديني، أن نقوم بزيارة المسنين في دور الرعاية، وأن نجعلهم يحسون بطعم الحياة، وأنهم غير منسيين، لذلك أقوم بزيارة أصدقائي المسنين، منذ أكثر من خمس سنوات، هم يعرفوني جيداً كما أعرفهم جميعاً، زيارتي لهم لها أكثر من معنى، أولاً شعوري بالفرح والسرور وأنا جالس معهم نتحدث في ذكريات الماضي.

وسعيد أكثر عندما أرافقهم في جولاتهم ورحلاتهم إلى البحر والى المواقع التراثية، فالمسنون كانت علاقتهم بالبحر قوية جدا، ويحملون الكثير من الذكريات عن البحر، كذلك الأماكن التراثية، عندما يزورونها يشعرون بالماضي، الذي عاشوه وهم في سن الشباب، ولذلك أشعر حين مرافقتي لهم بقمة السعادة.

ويضيف حارب علي شاغر «63 عاماً» أحد أفراد جماعة أصدقاء المسنين: كنت أحد المقيمين في الدار، واليوم أقوم بزيارة أصدقائي، نتقاسم الحديث ونبحر مع ذكريات الماضي، وأرافقهم في رحلاتهم خارج الدار، فالمسن بحاجة للرعاية، ولمن يسمعه الكلمة الطيبة، وينسيه قسوة الحياة، متى قست عليه.

وعلينا أن نذكر المجتمع الإماراتي أن المسنين وكبار السن الذين هم في دور ومراكز الرعاية، هم أهلنا وواجب علينا زيارتهم، وكم يفرح هؤلاء المسنون عندما يقوم بزيارتهم، طلاب وطالبات من المدارس، هذه الزيارات المتواصلة، لا شك تدخل السعادة في نفوسهم، وتنسيهم قسوة وظلم الحياة، وبالنسبة لعيد الأضحى المبارك، فإننا نقضي أيام العيد معهم ونفرح بوجودهم بيننا، حتى لا نجعلهم يشعرون بالوحدة.

ذكريات البحر

إسماعيل فرج «70 عاماً» مقيم بالدار يقول: هذا المكان هو بيتي الذي دخلته عام 2003، ليس لي دار أخرى وليس لي أقرباء، بل أهلي وأقربائي هم من يسكنون معي، ونحن نهنئ بعضنا البعض في العيد، وإن شاء الله تكون الفرحة واحدة لنا جميعا، من ذكريات الأمس، أحمد الله سبحانه وتعالى، أن هيأ لي أداء مناسك الحج مرتين، لكن لا أذكر متى حصل ذلك، وفي أي عام، والحمد لله الذي يسر لي ذلك، في أيام الشباب.

أما اليوم فقد أصبحت الحركة ثقيلة، وما تبقى من العمر إلا القليل، أسأل الله أن يديم الخير بين أبناء دولة الإمارات، والمسؤولين الذين هيئوا لنا هذه الدار بكافة تجهيزاتها، والرعاية الكريمة واللطيفة التي نلقاها، ابتداء من المديرة إلى أصغر فراش، جميعهم يتفانون لرعايتنا، ولا نملك إلا أن نحني لهم رؤوسنا، تعبيراً عن الشكر والتقدير الذي نكنه لهم جميعا.

ويتابع سبيت جمعة «65 عاماً» وهو مقيم أيضاً بالدار: هذه الدار وفرت لنا الرعاية الكريمة والعيش المستقر، وانتشلت الكثير من كبار السن من مآسٍ كانوا يعيشونها في الماضي، اليوم ليس فقط الرعاية هي التي توفر لنا، بل العلاج والغذاء الصحي والرحلات، كل شيء توفر لنا بفضل الله عز وجل ثم بجهود دولتنا وشيوخنا الأفاضل، الذي نقدم لهم التهاني بمناسبة عيد الأضحى المبارك.

ونقول لهم ولشعب الإمارات، كل عام وأنتم بخير، ونقول للجميع إن العيد سوف نعيشه بأكمل فرحة، صحيح قد يشعر البعض بفقدان أهله، إلا إننا جميعاً هنا في هذه الدار نعتبر أسرة واحدة، والحمد لله أن لي أولاد لم ينقطعوا عني بزيارتهم لي، وهذا فضل كبير من الله.

ويقول علي عبد الكريم «80 عاماً» مقيم بالدار: كل من في هذه الدار، هم أهلي وعائلتي، نحن أقرب لبعضنا، كما تشكل إدارة دار الرعاية وجميع العاملين بالدار أسرتنا الكبيرة، فما يقدم لنا من رعاية أنستنا كل همومنا الماضية، والمتاعب التي وجدناها في حياتنا في الماضي، رميناها وراء ظهورنا، وكما عشنا الأفراح في الأعياد الماضية، سوف نعيش الفرحة مجددا في هذا العيد.

برنامج العيد

تقول ليلى أمين الزرعوني مدير دار رعاية كبار السن في عجمان: العمل في مثل هذا المكان، هو قمة في العطاء والتعامل الإنساني والديني، كل المسنين سواء من كان في الدار أو من هو في بيته، علينا أن نوليه كل اهتمامنا، وأن نرعاه بكل لطف وحنان، مبدئي الأول والأخير أننا نكسب في هذا الدار أجرين، أجراً دنيوياً، وأجراً في الآخرة، وهو الأجر الكبير الذي نسعى إليه من رب العالمين.

هذا المبدأ أحاول أن أغرسه في نفوس جميع العاملين في دار الرعاية، من موظفين وعاملين وفراشين، والحمد لله أن الجميع هنا من دون استثناء يعتبر نفسه مجنداً لهذا المسن، من خلال تقديم الرعاية والعلاج والغذاء، ومن متابعة وإشراف يومي، وأن نسعده ونبهج حياته، بالرحلات التي نشرك فيها جميع المسنين وأصدقائهم، ومعظم هذه الرحلات تكون إلى البحر والأماكن التراثية، وفي المناسبات التي تقام الفنون الشعبية والتراثية.

ويتضمن برنامجهم اليومي، الذي يبدأ الساعة السابعة والنصف بالإشراف والمتابعة اليومية، وينتهي ذلك في الساعة الثامنة، وبعد ذلك وفي نصف ساعة يتم الجلوس مع المسنات في قسم النساء، ونصف ساعة أخرى للجلوس مع المسنين في قسم الرجال، ومن الساعة التاسعة صباحاً حتى العاشرة والنصف، فترة العلاج الطبيعي للمسنين، ومن العاشرة والنصف إلى الحادية عشرة والنصف، فترة العلاج الطبيعي للمسنات، وخلال هذا الوقت يمكن استقبال الزوار من خارج الدار.

ونهدف من خلال هذه الزيارات المتواصلة إلى إدخال البهجة والسرور في نفوس المسنين، وخلق جو أسري بينهم وبين القادمين من خارج الدار، وهناك جلسة ترويحية لهم في صالة النشاط، وأحيانا يتم عرض فيلم تراثي لهم، وفي المساء نعد لرحلات خارج الدار، أو إلى المواقع والأماكن التي من خلالها يشعر المسنون بالسعادة والسرور ولربما يستعيدون أشياء جميلة من ذكرياتهم القديمة.

وتضيف ليلى الزرعوني: الأعياد والمناسبات الوطنية، من أهم المناسبات التي نحرص عليها، ونشرك كبار السن في أنشطتها وبرامجها، وفي عيد الأضحى المبارك يكون برنامجهم في أول أيام العيد جلسة فوالة العيد، يتم من خلالها تحضير الوجبات الشعبية لتقديمها على مائدة الفطور، بعد ذلك تفتح أبواب الدار لاستقبال الأهل وأصدقاء المسنين، ويكتمل اليوم بتقديم التهاني والتبريكات بالعيد، وفي اليوم الثاني مشاركة المسنين في مائدة غداء تنظمها هيئة تنمية المجتمع بدبي.

من خلال زيارة جماعية للمسنين وأصدقائهم، وفي ثالث أيام العيد، تستقبل الدار الشيخ محمد بن عبد الله بن سلطان النعيمي مدير دائرة ميناء وجمارك عجمان ومنطقة عجمان الحرة، وهذا تقليد يقوم به سنوياً، حيث يلتقي المسنين وجماعة أصدقاء المسنين، مثل هذه الزيارات، لا شك أنها تترك انطباعا جميلاً في نفس كل مسن.

كما نعد منذ اليوم، التجهيزات الخاصة بالعيد الوطني، بمشاركة مع بلدية عجمان، وتلفزيون الشارقة، والفرقة العسكرية الاتحادية، ومدرسة الحميدية، وبمشاركة أدبية من الشاعر القدير راشد شرار، ونأمل بهذه الرعاية والجهود، أن نكون قد وفقنا في عملنا مع هذه الشريحة الهامة من مجتمعنا، شريحة كبار السن والعجزة.

وحدة متنقلة

تواصل الوحدة المتنقلة لرعاية كبار السن، زيارتها للمسنين في منازلهم لتقدم لهم الرعاية والتهنئة خلال أيام عيد الأضحى المبارك، في جهد اجتماعي إنساني كبير يعمق أواصر التواصل مع هذه الفئة العزيزة من مجتمعنا.

والوحدة المتنقلة مجهزة بفريق عمل متخصص، يشمل الأخصائية الاجتماعية والطبيبة والممرضة ومساعد خدمات طبية للمسنين وأخصائية علاج طبيعي، مهمة هذا الفريق القيام بزيارة المسن في بيته، وتقديم الخدمات اللازمة، التي يحتاجها المسن، سواء الخدمات الاجتماعية أو الصحية، مع تقديم الإرشادات لأسرة المسن، بطرق العناية والرعاية بالنسبة لهذا السن.

انطلاقاً من مبدأ أن وجود المسن في بيته هو الأفضل، كونه يجد إلى جانب الرعاية الطيبة الدفء والحنان من أقربائه، كذلك وجوده يقوي من الروابط الأسرية وصلة الأرحام، وخلق قدوة للأجيال القادمة، للتمسك بالقيم الإسلامية والبر بالآباء والأجداد، ومن لم يكن له أسرة، فمن الطبيعي أن تحتضنه دار رعاية كبار السن، حيث يجد الرعاية الشاملة.

دبي - جميل محسن