من الناحية العملية تعتبر المقابلة الشخصية آلية فعالة تمكن أصحاب العمل مبدئيا من اخذ ولو نظرة عامة عن قدرات ومؤهلات المترشح ومدى مناسبته للوظيفة المقترحة، ثم تبقى بعد ذلك فترة الستة أشهر الأولى من الاندماج في العمل هي التي تحسم بشكل شبه قطعي تثبيت المنتدب الجديد أو تسريحه بناءً طبعا على ما يظهره ميدانيا من كفاءة ومهارة.

وعليه فالمرء وهو مقبل على الحياة المهنية أصبح يعي جيدا بأن أكبر تحد يواجهه لشغل وظيفة ما هو اجتياز المقابلة التي باتت شرطا مهماً وضروريا للغاية، ولذا يعتبرها كثيرون العقبة الأكبر التي تحول بينهم وبين عالم (الشغل)، لأنك مطالب وفي فترة وجيزة هي مدة المقابلة بأن تكون مقنعاً، مستحضراً لكل تركيزك وثقتك بنفسك حتى تعبر بشكل فعال عن مهاراتك.

فالاعتقاد السائد عن المقابلة بأنها وسيلة يمكن اعتبارها عادلة إلى حد بعيد للفصل والحسم بين عدة مترشحين، لكن رحلتي المضنية هذه الأيام في البحث عن وظيفة، وإجرائي لبعض المقابلات جعلاني أصدم من تعاملات بعض الأشخاص (وإن كانوا قلة قليلة)، ومن طريقة تعاملهم مع المترشح، وكأنه متسول أو طالب حسنة، فأسئلتهم استفزازية.

ونظرتهم فيها من الاشمئزاز ما فيها، وتعاملهم مزاجي لأبعد الحدود، ولولا تحكم المرء في أعصابه وكبح جماح غضبه لكانت النهاية في أقسام الشرطة، فرغم أنهم استقبلوا على هذه الأرض الطيبة بكل حفاوة وتكريم، ولم يلقوا إلا المعاملة الحسنة والعيش الرغيد الآمن والواقع العادل المانح لكل حقوقهم، إلا أن كلامهم معك يحمل الكثير من الضغينة والعنصرية لكل ما هو عربي.

أنا أدرك بأن المتقدم لأية وظيفة مطالب بأن يكون على استعداد للتعامل مع أي موقف، ويتحمل كل أشكال الضغوط ويحاول التأقلم مع كل الظروف، ولكن في الوقت ذاته على هؤلاء الذين يديرون المقابلات أن يعلموا بأن الباحث عن عمل إنما يقصد من وراء ذلك دائما وأبدا وفي كل حين صون كرامته وحفظ عزته وإبائه، ولن يقبل بأن تمس مبادؤه أو يهان شخصه، مهما كان الثمن، ومهما كان المنصب الذي سيحصل عليه.

لا أريد بكلامي هذا التجني على منشطي المقابلات، لأن الكثير منهم والحق يقال أناس محترمون في تعاملهم مؤدبون في طريقة إلقائهم، وحتى وإن خرجت من عندهم بخيبة الفشل، فأنت تخرج في الوقت ذاته ممتنا لهم على أدبهم، شاكرا لهم حسن خلقهم، فهو في آخر المطاف اختبار أو امتحان، قد تكون كفؤا لكن يوجد من هو أكفأ منك وأمهر، والتوفيق أولا وأخيرا من عند الله تعالى.

إسحاق ـ الجزائر