يواصل غاليري (ميم) إقامة الجزء الثاني من سلسلة عرض أعمال الفنانين العراقيين، المكونة من أربعة أجزاء، تمثل اتجاهات الفن العراقي في تحولاته الحديثة والمعاصرة، باختيار ورعاية الفنان العراقي الكبير ضياء العزاوي. ويضم الجزء الحالي عرض لوحات كل من الفنانين: غسان غائب ونزار يحيى وكريم رسن.
وحضر المعرض الفنان غسان غائب الذي تميزت لوحاته بموضوعات ثرية وألوان باذخة، يختزل فيها تجربته ورحلته من بغداد إلى الأردن ومن ثم إلى السويد، حيث يقيم علاقة روحانية مع شجرة يعثر عليها في غابة سويدية، فتستهويه ويتعلق بها. وتظل هذه الشجرة تلازم ذهن الرسام، وتظهر في جميع لوحاته إلى جانب حقيبة السفر التي يطلق عليها العراقيون (البقجة) أو (الصرة)، حيث يحمل فيها المسافر ما خف وزنه وغلا ثمنه من زاد.
ولكن الفنان يتعامل مع هذه الرموز الأيقونة بكل حرفية وإبداع وتألق، جاعلاً منها فضاء حركته الفنية وتنقلاته. وتحمل لوحاته عناوين مثل (خطوة ونصف إلى الجنة)، و(فوضى منتظمة)، و(مطر)، و(شجرتي الجملية)، و(على شاطئ الجنة). وفي (شجرة الذاكرة) المصنوعة من الحديد، تحمل على أغصانها أسماء أصدقائه من الفنانين العراقيين المهاجرين: هناء ما الله، هيمت، صاحب أحمد، لطفية الدليمي.
هكذا هو العراق مسكون بالإبداع والهجرة، كما يخبرنا الفنان غسان غائب، وهو يمزح قائلاً: (لست غائباً تماماً عن الفن التشكيلي العراقي)، بالإشارة إلى اسمه (غائب). بالتأكيد لست غائباً. والفنان الذي يعيش من مبيعات لوحاته، ليس بالغائب. بالتأكيد، ولكن الفنان في هذه الحالة يتحمل المجازفة، وأمواج البحر. ثم سألته: لماذا يهرب الفنان العراقي من مواجهة الواقع؟
لا ليس هذا صحيحاً، لكننا لم نصل إلى مستوى الهلع. وهل يوجد هلع أكبر مما شهده العراق فيما عدا الفزع الأكبر يوم القيامة؟ نعم الحروب دمرت كل شيء: التراث والثقافة والإنسان، ونسعى إلى التعبير عنها كل حسب رؤيته وأدواته.
يكاد الفنان غسان غائب يختزل الفن العراقي، متأثراً بجميع الفنانين، وبعد أن تتلمذ على يد فنانين معروفين أمثال محمد مهر الدين ورافع الناصري وشاكر حسن آل سعيد وغيرهم، شق طريقه الخاص وترك بصماته على الفن العراقي من خلال تأسيس منهجه التجريدي الخاص به، ويؤكد أن الفنان هو مجموعة من التأثيرات، التي لا يكتشفها إلا بعد مرور خمسة وعشرين عاماً.
أما الفنان كريم رسن، فيمزج بين الألوان والصور والخطوط والرسوم الجدارية والإشارات. وهو يركز على علاقة الرسم بالبيئة والإنسان، مستوحياً كل ذلك من الميثولوجيا والرسوم الجدارية القديمة. أي أنه يستعيد في الغربة ما عاشه في العراق من ذكريات.
ويجمع الفنان نزار يحيى، ذاكرة العراق المرئية وغير المرئية، الحاضرة والغائبة، من خلال استحضار النهر الخالد، دجلة، وكل ما تحمله في جوفها من أسماك ظهرت على قماشة لوحاته.
ويتذكر الرسام قصيدة الشاعر الراحل الكبير محمد مهدي الجواهري، وقصيدته الرائعة (يا دجلة الخير يا أم البساتين). ويطغى اللون الرمادي على لوحاته، التي يريد أن يعبّر بها عن سوداوية الذاكرة من خلال الألوان الداكنة.
دبي ـ شاكر نوري
