تناول الناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي التجربة الروائية الخليجية، وذلك خلال محاضرته التي نظمها المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة تحت عنوان «السرد ومأزق الهوية: قراءة للتجربة الروائية في الخليج» وذلك مساء أول من أمس في مقر المركز في أبوظبي، بحضور حشد من الأدباء والمثقفين يتقدمهم المدير التنفيذي للمركز الشاعر حبيب الصايغ.

هوية متشابكة

استهل الناقد محاضرته بالحديث عن أثر فوز عبده خال ب«البوكر» قائلا: حين فاز الروائي خال بجائزة «البوكر» أحدث فوزه صدى تقاسمه أولئك الذين طاروا فرحا بفوزه وأولئك الذين ملأ فوزه صدورهم غضبا وغيظا، ولم يكن ذلك الغيظ يبرأ من كون الروائي كاتبا سعوديا ينتمي لواحدة من دول الخليج.

وأضاف: لم يكن إنكار من أنكروا هذا الفوز، يخلو من أحد أمرين الأول ما يمكن إرجاعه إلى غيرة المراكز، حين تستشعر منافسة الأطراف، فيتصل بما ظل عقودا طويلة مقصورا عن العلاقة المتشابكة بين الهوية وذلك ما يتبدى بين من لم يروا في رواية «ترمي بشرر» غير حديث الجنس، والرغبة في تشويه المجتمع، وبث الرذيلة والفساد بين فئاته، وهي التهمة التي ظلت تطارد عبده خال منذ ان كان كاتبا للقصة القصيرة.

كما استشهد السريحي بروايات أخرى وجد فيها رفضا للرواية، لكن لا يستند هذا الى ضعفها وهشاشتها، بقدر ما كان رفضا لما نظر إليه على اعتبار أنه فضح لمجتمع يتوهم أنه مجبول على الفضيلة.

وأوضح السريحي: تتكشف أبعاد الجدل بين الرواية والهوية إذا ما تواطأنا على النظر إلى الرواية من حيث مضامينها وعوالمها على أنها سجل اجتماعي يرصد حركة التغيير التي تطرأ على المجتمع وتؤثر في سلوكه، وإذا كانت الرواية تعبر عن صعود الطبقة الوسطى واقتحامها مجال تحديد الهوية فإن الرواية عندئذ تشكل ما تتسم به من تعدد في الأصوات تحديا لمفهوم الهوية.

ليصل للقول: الرواية عندما تقوم بتحويل الراهن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي كما هو إلى مدونة يمكن تداولها وحفظها بصياغة مدونة موازية للمدونة الأساس المستمدة من التاريخ وسلطة الماضي، وظلت الهوية إجابة عن سؤال يسعى إلى تحديد مفهوم الهوية وفق صيغة كيف ينبغي لنا أن نكون، وحين جاءت الرواية طرحت في كيف نحن الآن؟

ومن هنا رأى الناقد السعودي أن القلق من الرواية يبدأ عندما تصبح مدونة، فالتدوين تعبير عن الاعتراف، وكل ما هو مكتوب من شأنه أن يكتسب وجودا شرعيا، وإذا ما انتهينا إلى هذا الوعي بما تشكله الرواية من تحد لمفهوم الهوية أمكن لنا أن نتفهم ذلك التوجس من الرواية، وتلك النظرة المرتابة فيها، والتي تبدأ من التقليل من شأنها كجنس أدبي، وتنتهي إلى تحريمها باعتبارها ضربا من الكذب.

واستعرض السريحي تاريخ أول كتاب ظهر في منطقة الخليج، وناقش رواية «المعرض» التي صدرت في العام 1925 في الحجاز، قال: فيها شن الشاعر أحمد إبراهيم الغزاوي هجوما على ما أسماه «الروايات والترهات» محذرا من مطالعة «كل ما يتنافى مع أخلاقنا وآدابنا وتقاليدنا» ولم يفت على عبد القدوس الأنصاري حين أصدر أول رواية في السعودية بعنوان «التوأمان» في العام 1929 أن يقدم لها بما يشبه الاعتذار عن كتابتها بمقدمة شن فيها هجوما على فن الرواية، وإن كان للرواية حق السبق في أنها أول رواية في الخليج، فإن لنا التحفظ على قيمتها الفنية المتواضعة. وكثيرا من الروايات التي خرجت بعد ذلك لم تكن تخرج في مقصدها عن هذه الغاية التي غلب عليها الطابع التعليمي الوعظي.

وأكد السريحي: لم تكد تنجو المراحل التي أعقبت البدايات مما ميز البدايات وذلك حين فرت بأحداثها إلى التاريخ، لكي تستلهم أحداثه وتعيد صياغتها على نحو يضمن له الحضور من ناحية والقدرة على تعزيز مفهوم الهوية من ناحية أخرى. ولم يكن التاريخ أكثر مجازفة من تقنية الرواية وقيمتها الفنية، من تلك الروايات التي تذرعت بالخيال العلمي، وانتهت إلى ما لا يمكن حتى التسامح أن يعتد بها ويصنفها فيما يصنفه من روايات.

الرواية في الخليج

يمكن لنا أن المسافة بين الرواية حين تكتب لتكون مدونة تستلهم حراك الحياة في المجتمع والرواية حين تكتب بمعزل عن هذا الحراك، دون أن تكون مجرد تسجيل أو أرشفة للواقع الاجتماعي ذلك أن الروائي الحقيقي هو المبدع الذي يستطيع أن يجمع في شخصه بين عالم الاجتماع، والفيلسوف، القادر على تأويل ما يراه، والناقد هو من يمتلك من البصيرة ما يمكنه من التمييز بين ما هو دال وجوهري وما هو عارض وطارئ، وتلك الخصائص التي خرج من جعبتها الروائيون الكبار الممتدون من تاريخ الإبداع العلمي إلى راهن الإبداع العربي.

ورأى سعيد السريحي: إن كانت الرواية هكذا جاز لها ان تكون ديوان العرب الحديث، في مقابلة ما يعرف به الشعر قديما من أنه ديوان العرب. من المنطلق نفسه، أي كلاهما يؤول إلى مركز السلطة القادرة على التأثير والمخولة لاتخاذ القرار مثل ما عرفه التاريخ العربي من دواوين ديوان الجند وديوان الخراج، والخاتم والامارة.

مشيرا أن الخلاف حول أحقية الشعر ما هو إلا خلاف حول سلطتين ثقافيتين، تتنازعان في تحديد مفهوم الهوية، وما يمكن أن يؤثر فيها والقادر على صياغتها وإذا مثل الشعر عبر امتداده التاريخي صوت الماضي وهيمنته، فإن الرواية تمثل صوت الحاضر، وأحقيته في صياغة الهوية.

إضاءة

يعد الدكتور الناقد سعيد السريحي من أبرز الأصوات المثقفة في السعودية والعالم العربي، وهو صوت حداثي يعمل حاليا مساعدا لرئيس تحرير صحيفة عكاظ السعودية، ومشرفا على الأقسام الثقافية المتخصصة، وهو عضو تحكيم جائزة بنلد الحيدري التي يمنحها مهرجان أصيلة للمبدعين العرب.

شارك في عدد من المهرجانات الثقافية والندوات العلمية التي عقدت في الأندية الأدبية وجمعيات الثقافة والفنون في مختلف مدن السعودية كما شارك بأبحاث وأوراق عمل في مؤتمرات وندوات علمية عقدت في عدد من العواصم العربية والأوروبية، وصدرت له خمسة مؤلفات حول الادب والشعر والقصة والرواية.

أبوظبي ـ عبير يونس