لم تتوقع طبيبة الأسنان السعودية هبة شطا أن تكون ابنتها سارة البالغة من العمر سنة ونصف مصابة بمرض التوحد الذي من الصعب ملاحظة أعراضه عادة، وقد حاولت كثيراً بأسلوبها الخاص أن تساعد صغيرتها على الخروج من وحدتها، بعد أن لاحظت أنها تتجنب النظر إليها ولا تتجاوب معها، ولكنها لم تفلح في ذلك.

وحين اصطحبتها لإجراء بعض الفحوصات كانت شكوك الأطباء متجهة نحو مرض التوحد، وحينها شعرت بمسؤولية كبيرة وأنشأت مركزين الأول هو مركز الطفل للتعليم وتعزيز المهارات الطبي، والثاني هو مركز الطفل للتدخل المبكر، من أجل إنقاذ الأطفال من هذا المرض وتوفير بيئة نموذجية تؤهلهم للتواصل مع الآخرين، وقد زاد إصرارها على تحقيق هدفها بعد أن أعلنت الكثير من المدارس الخاصة في الدولة رفضها دمج الأطفال المتوحدين حتى لو كانت تلك الخطوة علاجية وقادرة على إعادتهم إلى الحياة الطبيعية.

تقول د. هبة شطا التي حرصت على تثقيف نفسها حول مرض التوحد من خلال حضور المؤتمرات والمحاضرات التي تحتضن الخبراء والأطباء، ومتابعة الدراسات والأبحاث التي تعنى بالمرض: يعرف التوحد على أنه اضطراب عصبي ينتج عن خلل في وظائف الدماغ ويظهر كإعاقة تطورية أو نمائية عند الطفل خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل ولا يرتبط بعوامل عرقية أو اجتماعية، ويعد اضطراب السلوك والتفاعل والتواصل الاجتماعي، والتأخر في تطور المهارات اللفظية وغير اللفظية من أبرز علاماته الرئيسية، كما أنه يصيب الذكور أكثر من الإناث بنسبة أربعة أضعاف.

الأعراض والتشخيص

وحول أعراضه وطريقة تشخيصه قالت د. شطا: تتفاوت شدة علامات المرض من طفل لآخر فقد تكون الإصابة بسيطة يغفل عنها الأهل إلى شديدة بحيث يفتقر الطفل جميع أنواع المهارات السلوكية أو العقلية، لذلك قد لا تظهر العلامات مجتمعة عند الأطفال، ومن أهم علامات المرض: قيام الطفل بحركات غريبة مثل رفرفة اليدين، والقهقهة بلا سبب وفرك الأشياء، والارتباط غير الطبيعي بلعبة معينة أو اللعب مع الألعاب بطريقة خاطئة، وفتور المشاعر والعزلة، والبكاء كثيرا، والعجز في التحصيل اللغوي والتعبير عن الاحتياجات.

كما أن بعض الأطفال لا يبدون خوفا من المخاطر ومن المحتمل أن يؤذوا أنفسهم كشد شعرهم أو عض أنفسهم، أما البعض الآخر فيبدي حساسية مفرطة لبعض المثيرات الحسية مع أنها مقبولة وهادئة، ويتم تشخيص التوحد من قبل اختصاصين نفسيين لا يعتمدون على التحاليل المخبرية أو الشعاعية بل على أسئلة تشخيص التوحد حسب مقياس سح4 المعتمد عالميا، وبالنسبة لابنتي فقد كانت تغضب كثيرا إذا انتقلت من مكان لآخر، كما كانت تتحدث إلي دون أن تنظر إلى عيني، وتفضل أن تلعب لوحدها.

وحين بحثت عن علاج لها تفاجأت أن أغلب المراكز العلاجية تستقبل الأطفال بعد عمر الثلاث سنوات، مع أن التدخل المبكر هو أفضل سبل العلاج لأنه يساعد على تحسين مستوى التحصيل اللفظي والكلامي، ويساعد على تطوير المهارات السلوكية والاجتماعية أيضا، وحينها عرضت فكرة إنشاء مركز متخصص لرعاية الأطفال على صديقتي الأميركية والأخصائية النفسية كارولينينا التي يعاني طفلها أيضا من المرض نفسه والتي كانت تعلمني كيفية التعامل مع ابنتي.

مدة العلاج

وعن مدة العلاج، قالت د. شطا: نعالج جميع أنواع التأخر النمائي، وتستغرق مدة البرامج العلاجية أربع سنوات، ولكنها تعتمد على قدرات الطفل، ودرجة إصابته بالتوحد وبأمراض أخرى إلى جانب التوحد، وقد لا يستطيع الطفل التخلص من المرض نهائياً ولكنه يستطيع أن يصبح أفضل، لأن برامجنا في السنة الأولى تركز على تعلميه المهارات الأساسية مثل كيفية الجلوس، ودخول الحمام، وتناول الطعام لوحده، أما السنة الثانية فتتضمن تعليم الطفل المهارات الأكاديمية مثل القراءة والكتابة.

وفي السنة الثالثة يكتسب الطفل المهارات التي تؤهله لدخول المدرسة، حيث يذهب إلى المدرسة يومين في الأسبوع برفقة مدرس خاص يتولى متابعته والإشراف على تواصله مع الطلبة والمدرسين، ومن المفترض أن يكون الطفل في السنة الرابعة قادرا على الاندماج في بيئة المدرسة.

وقالت د. شطا: لابد من علاج الأسباب العضوية حتى يخرج الطفل من التوحد، كما يجب إزالة المعادن الثقيلة من جسمه إن كانت نسبتها مرتفعة على أيدي أطباء متخصصين يقررون إن كان الطفل بحاجة لهذه المعالجة، ويعد علاج السلوك التحليلي هو العلاج الأساسي القادر على تغيير نمط حياة الأطفال المتوحدين، ولكنه للأسف متوفر فقط في مصر والدول الأوروبية، كما توجد هناك وسائل ثانوية أخرى للعلاج عن طريق الموسيقى، والباليه، وركوب الخيل، والسباحة.

العقبات والتكلفة

الصعوبات التي وقفت في طريق الدكتورة هبة شطا لم تكن قليلة، كما أن التحديات التي واجهتها لم تكن سهلة، وأبرزها رفض الكثير من المدارس الخاصة لفكرة دمج الأطفال المتوحدين ليومين أو ثلاثة خلال الأسبوع، وقالت د. شطا: افتتاحي لمركز الطفل للتدخل المبكر حديثا كان نتيجة لعدم وجود أي برامج للتدخل المبكر في إمارة دبي، كما كان نتيجة لرفض الكثير من المدارس الخاصة استقبال أطفال التوحد الذين يحتاجون إلى دخول المدرسة لتطوير المهارات السلوكية والاتصال الاجتماعي، بحجة عدم توفر أماكن أو عدم قدرة المدرسين على التعامل معهم.

وهنا وجدت أن افتتاح المركز الذي يجمع الطب والعلم في مكان واحد، سيكون الوسيلة الأمثل لدمج الطلاب في بيئة تحضيرية تشبه بيئة المدرسة إلى حد كبير، تضم فصول مجهزة، وفي كل فصل ثمانية أطفال تقريباً، كذلك يحتاج العلاج السلوكي إلى أشخاص يحبون التعامل مع الأطفال وقادرون على فهم لغة الطفل الجسدية، وهذا يتطلب مهارات مدعمة بالعلم، حيث أستعين بـ 55 خبيراً أجنبياً تقريبا، وكم أتمنى أن يكون هناك إقبال من الطلاب العرب على دراسة تخصص العلاج الوظيفي، والعلاج التحليلي، والنطق اللغة، وجميع التخصصات التي تساعد في العلاج من التوحد.

وعن التكلفة قالت د.شطا: تعتمد التكلفة على عدد الساعات التي يحتاجها الطفل للعلاج، حيث تبلغ قيمة الساعة الواحدة 125 درهما، ويحتاج الأطفال عادة من 20 إلى 40 ساعة في الأسبوع، وهذا يعني 160 ساعة في الشهر، وهنا تصبح التكلفة تحدي جديد يواجه الآباء.

الطفلة آية

التقينا والدة الطفلة آية المصابة بمرض التوحد، وقالت: عندما كانت آية في السنة الثانية من عمرها لاحظت أن لديها تأخراً في النطق، وخضعت لتشخيص التوحد وتبين أن حالتها بسيطة، وقد واجهت صعوبة كبيرة نتيجة لرفض الكثير من المدارس دمجها.

كما أخبرتني أخصائية في أحد المراكز العلاجية الخاصة في الجميرا أن ابنتي لن تتعافى من المرض ولن تتكلم مطلقا وهذا شكل صدمة كبيرة لي، وعندما سمعت عن مركز د.شطا قمت بنقلها إليه، وبفضل الله أصبح وضعها أفضل كما تطورت مهاراتها بشكل واضح. وعن تكاليف علاج آية، قالت والدتها: ندفع 15 ألف درهم شهريا تقريبا، لأن حالة ابنتي بسيطة وساعات علاجها قليلة، بينما تصل تكاليف علاج بعض الأطفال الآخرين إلى 35 ألف درهم شهريا وربما أكثر نظرا لدرجة التوحد التي يعانون منها.

صعوبات التواصل مع الآخرين

يواجه الطفل المصاب بالتوحد عادة صعوبة في إيصال أفكاره ورغباته، كما أنه يفشل غالباً في التواصل مع محيطه لأنه لا يجيد استعمال اللغة التي يملكها بالشكل المناسب ولا يستطيع في الوقت نفسه استعمال بدائل اللغة مثل حركات الجسم والأيدي، وتعابير الوجه، وهذا يؤدي إلى إحباطه ويزيد من ميول العزلة لديه، ويؤدي أيضا إلى تفاقم السلوك الغير المقبول، وكذلك نوبات الغضب، فقد يلجأ إلى إيذاء الآخرين أو إيذاء نفسه.

وتتراوح شدة الإصابة بمرض التوحد من البسيطة إلى الإعاقة القوية، ولذلك تكون أعراض المرض مختلفة في شدتها من طفل إلى آخر، وتوضح المعرفة الجيدة بطبيعة المرض للأهل والمجتمع المحيط بالطفل سبب تصرفات الطفل، وبالتالي يسهل التعامل معه بأسلوب علمي مدروس يخفف أعراض المرض وشدتها، ما يخلق بيئة مناسبة تساعد الطفل التوحدي على اكتساب المهارات اللغوية، وكيفية التواصل مع الآخرين، وتجنب السلوك الغير مرغوب فيه قدر الإمكان، حيث يمتلك الطفل التوحدي مهارات قد تكون أفضل من تلك التي تكون لدى الأطفال الطبيعيين، وهذه المهارات قد تكون بصرية، أو مهارات سمعية، ورياضية عالية.

ريما عبدالفتاح