هل توجد معايير محددة للابن البار بوالديه؟ وعلى ماذا تعتمد هذه المعايير إن وجدت؟ وكيف يمكن عقاب الابن العاق أو مكافأة الابن البار؟ وما هو دور المجتمع في دعم الاتجاه نحو تشجيع الابن البار بوالديه؟ وما هو دور الوالدين في تنشئة الأبناء على الطاعة والبر بهم؟ وإلى أي مدى يتأثر الأبناء بالدين في قناعتهم ببر الوالدين؟.. أسئلة تتبادر إلى الأذهان حين الخوض في موضوع له من الأهمية الشيء الكثير لاسيما وأنه يتعلق في صياغة أولى حلقات التكوين الاجتماعي وهي الأسرة وعمادها علاقة الأبناء مع الآباء.

مفهوم البر

يقول خميس بن غانم «موظف متقاعد» إن مفهوم الابن البار يختلف من مجتمع إلى آخر ومن بيئة اجتماعية إلى أخرى، فإذا اعتبرنا المعيار الأصلي في الموضوع هو الدين فيمكن أن نعتمد على النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة في اعتبار أن بر الوالدين فريضة لا يجوز التفريط بها تحت أي ظرف.

والأمر الرباني واضح وصريح في هذا الشأن، وقد نجد بعض الحالات التي تتغلب فيها الظروف الاجتماعية والاقتصادية على تحقيق هذا البر بصورة مكتملة، ولكن لا يعني هذا أنه غير موجود بالمرة.

والمقصود بالظرف الاقتصادي الذي يمكن أن يعطل الابن عن بر الوالدين أنه قد يضطر إلى اختيار مسكن بعيد عنهما بسبب ظروفه المالية التي لا تساعد على توفير مسكن الزوجية بالقرب من والديه في نفس الحي أو الفريج، مما يؤثر على متابعته لأحوالهم وتلبية طلباتهم، وعلى الرغم من ذلك لا يزال البعض من الأبناء يحرصون على زيارة الوالدين يومياً مهما باعد الظرف الاقتصادي بينهما، ولا يمكن أن نتهم من لا يفعل ذلك بالتقصير أو العقوق، ولكن لكل حالة ظروفها ولا يمكن إطلاق الحكم على الجميع في آن.

حالات خاصة

ويضيف بن غانم أن هناك حالات خاصة من عقوق الأبناء لا نأمل أن تتزايد مع التبدلات والتحولات التي نعيشها والتي أفرزت حالة من التصادم بين الأجيال، وأغلب هذه التحولات في طريقة التعامل مع الوالدين تصل إلى الأبناء عن طريق وسائل الإعلام الغربية خاصة السينما والانترنت، ولا شك أننا نعرف مواقف الشعوب الغربية من الأمور الأخلاقية المشابهة، حيث لا يهتم الكثير منهم بطرق التعامل مع الوالدين إلى الحد الذي يؤرق الآباء والأمهات هناك.

وقد يلجأ بعضهم إلى القضاء لطلب حماية من الابن أو لطلب نفقة مادية مستحقة، والحمد لله أن هذه الحالات لا يشهدها مجتمعنا بهذه الصورة، ولكن في الوقت نفسه نحتاج إلى توعية الأبناء بدورهم المنتظر في رعاية وبر والديهم.

ويؤكد بن غانم أن كل المؤسسات المجتمعية مسؤولة بصور متفاوتة عن توطيد العلاقة بين الأبناء ووالديهم، وتكريس مفهوم الاحترام والبر، وأول هذه المؤسسات بالضرورة هي البيت أو الأسرة، لأن من شب على شيء شاب عليه، وإذا تعلم الصغير احترام وبر والديه منذ الصغر فلن يجد في ذلك غضاضة عند الكبر ثم أن على المسجد أيضاً توضيح أهمية البر بالوالدين كواحد من أسس المجتمع المسلم، والمدرسة لها دور أيضاً، وإذا انتمى الشاب إلى أحد الأندية كذلك وجب على القائمين على العلاقات الإنسانية مراعاة ذلك التوجيه، وهكذا.

ويشير بن غانم إلى وجود رابطة قوية ما بين البر بالوالدين والنجاح في تحقيق الأهداف التي يتطلع إليها الشاب أو الفتاة، وكلما زادت رابطته مع الأهل كلما استطاع أن يصل إلى آماله بصورة أقرب وأيسر، وربما ارتبط ذلك بإيجابية دعاء الوالدين.

الاحتياجات النفسية

ويقول سالم المزروعي «موظف» إن مفهوم الابن البار ينطبق على الابن الذي يراعي احتياجات والديه النفسية والاجتماعية أكثر من الاحتياجات المادية، مشيراً إلى أن هناك طرقاً عديدة لتحقيق طموحاتهم المادية، ولكن توجد طريقة واحدة لتحقيق راحة البال والابتسامة الصافية لهم وهي شعورهم ببر الأبناء ووقوفهم إلى جوارهم في شيخوختهم.

ويضيف المزروعي أن الانشغال بأمور الدنيا ومتطلبات الوظيفة من وقت وجهد والتزامات لا يعني أن ننسى أصحاب الفضل علينا وخاصة الوالدين، وهما على الأغلب لا ينتظرون منا سوى كلمة طيبة أو تهنئة في مناسبة أو مبادرة بالخير أو هدية بسيطة لا يتجاوز ثمنها دراهم معدودة.

ويؤكد أن بر الوالدين ينعكس إيجاباً علينا من حيث البركة في الرزق وفي الذرية، فلنا أن نتوقع أن يبرنا أبناؤنا إذا قمنا نحن بدورنا في أن نبر والدينا، وكم هي الراحة النفسية التي يشعر بها كل منا إذا أدى دوره تجاه والديه، خاصة وأن أحداً منا لن يستطيع أن يوفي والديه حقهما من البر مهما فعل طوال حياته، فنحن فقط نبادر فقط ونحاول ولكن لن نستطيع.

ويؤكد المزروعي أن ثقافات المجتمعات قد تختلف في هذا الأمر من حيث نظرتها للمعاملة التي يستحقها الوالدين عند الكبر، والمستوى الذي لا يجب أن تقل عنه هذه المعاملة، إلا أنها تتفق كلها في النهاية على ضرورة تقديم البر اللائق للوالدين، وربما نرى بعض الثقافات تقتصر في هذه النظرة على تحقيق الدخل المادي الملائم للوالدين أو كبار السن بشكل عام.

وتوفر هذه المجتمعات لهذه الفئة العديد من الامتيازات الخاصة مثل استخدام المرافق العامة بصورة مجانية كالحدائق والمتاحف ودور السينما وغيرها، إلا أن ذلك لا يعبر بالضرورة عن أن هذه الامتيازات هي ما ينتظره فقط المسنون، ولكن للبعد الإنساني دور في الموضوع ويلزم أن يجد هؤلاء من أبنائهم من يسمعهم ويحتضنهم ويشعرهم بتدفق المودة إليهم كرد لجميلهم عليه.

نموذج سلبي

ويقدم سعيد إبراهيم «مهندس بالمنطقة الحرة في جبل علي» نموذجاً على نجاح التجربة الإسلامية في موضوع البر بالوالدين، فيقول إن الابن الذي يحسن الوالدان تربيته يمكنهما أن يجنيا ثمار ذلك الغرس الحسن من خلال بر الأبناء بهم عند الكبر، ويضيف سعيد من خلال تجربته الشخصية أن المجتمع في الغرب ينظر لعلاقة الأبناء مع الآباء على أنها علاقة عادية لا تحكمها المشاعر ولا الأحاسيس الإنسانية التي تحكم هذه العلاقة بينهما في ظل الشريعة الإسلامية.

ويضرب مثالاً على ذلك قائلاً إن الابن في الولايات المتحدة الأمريكية يستطيع أن يستنجد بالشرطة إذا هدده أحد الوالدين بتأديبه باستخدام عقوبة الضرب، ويؤكد أن الشرطة هناك تتعامل مع هذه الأمور بجدية تامة وقد يصل الأمر إلى القضاء.

يشير إبراهيم إلى أن الأمر أيضاً يحدث بصورة عكسية، إذ أن من حق الوالدين الاستعانة بالشرطة لمنع الابن من الاعتداء عليهما، إذن فالأمر يحكمه القانون بنصه وعقوباته بينما تغيب الأوضاع الإنسانية التي لابد من وجودها بحكم الإنسانية بين الوالدين والأبناء، ويؤكد أن وجود هذه العلاقة ليس قاصراً على بني البشر، بل نجد أن أشرس الحيوانات وأكثرها فتكاً وضراوة تحافظ على العلاقة بين الوالدين والأبناء من الطرفين، أي أن هذه المشاعر موجودة لدى مخلوقات من غير بني البشر، فهل لنا أن نتصور ألا يعمل بها عاقل من بني البشر؟

تجربة شخصية

وعن تجربته يقول عمر السيد أن بر الوالدين أحد أسباب الوصول إلى مجتمع مثالي بعيد كل البعد عن السلبيات والأمراض الاجتماعية، ويضيف أنه يحرص منذ الصغر على الاحتفاظ بعلاقة قوية مع الوالدين ولكل منهم مساحة في قلبه، ويحتفظ بمساحة الخبرة لدى الوالد حيث يحرص على الاستفادة من خبراته وتجاربه التي مر بها في حياته ويعتبر التواصل الصحيح بين الأبناء والآباء هو القائم على التفاعل فيما بينهم، فليس من الضروري أن يعتبر كل شاب أن علاقته بالوالد علاقة إملاء أو منافع.

ويؤكد عمر أن بر الوالدين ينعكس إيجاباً على حياته العملية حيث يشعر بنوع من التفاؤل والاستبشار عندما يكونا في حالة رضا، والعكس عندما يكون أحدهما في خالة غضب، ويشير إلى أنه جرب بنفسه دعاء الوالدين خاصة أيام الامتحانات ووجده بالفعل مجدي، وبصفة خاصة إذا كان الوالدان يدعوان الله من قلبيهما، وفي كل الأحوال ينعكس البر بالوالدين على الحياة العملية لكل منا عندما يكبر.

سبل البر بالوالدينهناك عدة طرق أقرها الدين للبر بالوالدين منها طريقة النظر إليهما، فقد جاء في الآثر: (ما برّ أباه من سدد إليه النظر بغضب)، وكذلك في الحديث إليهما، يجب أن يقول الابن قولاً كريماً، وعليه أن يتكفل بنفقتهما إذا كانا في حاجة إلى ذلك كما أن عليه الاستجابة إلى ندائهما وإن كان في صلاة نافلة.

وإذا كان الوالدان من الراحلين عن دار الدنيا فهناك عدة طرق للبر بهما أهمها كثرة الدعاء لهما والاستغفار والابتهال إلى الله أن يدخلهما في رحمته ويدخلهما الجنة وينجيهما من النار، قال تعالى في محكم آياته:

(وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (سورة الإسراء:23)، وجاء في الحديث الشريف عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له)، كما يجب التصدق عنهما والقيام بسداد أية ديون مستحقة عن أحدهما قبل وفاته، كما تعد صلة الرحم مع أقارب الوالدين صورة من صور البر التي أقرها الدين من خلال زيارة الجد والجدة إن وجدا وغيرهما من الأقارب.

أيمن حجازي