انطلق في لندن، أخيراً، معرض يعده النقاد العالميون من أهم المعارض هذا الموسم، إن لم يكن في السنة بكاملها، فقد عاد عالم الفنان المتمرد بول غوغان الى متحف الفنون الوطني (تيت) في العاصمة البريطانية ليحيط هواته ومحبيه بهالة من السحر وشموس استوائية حملتها معه بعد غياب عن عاصمة الضباب دام لأكثر من خمسين عاماً.
المعرض بدا كوردة متفتحة، حيث قدم أجمل لوحات غوغان وأكثرها تنوعاً وجرأة وانفتاحاً، ولم يخل المعرض من لوحاته التي رسمها لنفسه بأرواح ونكهات وذوات متعددة، لتعكس بصدق حالة التنقل بين العوالم النفسية والروحية التي عاشها غوغان، بالإضافة لظروفه المتقلبة وتنقله من مكان لآخر.
لوحات أخرى رسم فيها الأشياء العادية، مثل أقداح الشراب وقطع الأثاث وألعاب الأطفال، غير أنها بدت غريبة، أما ورق الجدران فتحس به وكأنه تحول إلى بساط الريح، الذي يطير عبر أحلام ابنة غوغان الناعسة، وفي لوحات أخرى صور غوغان معالم الطبيعة الجميلة، ورسم الفلاحين البسطاء وماشيتهم الجميلة.
الأرض والطبيعة
أحب غوغان الأرض والطبيعة وكتب فيهما الكثير ورسم أكثر، وفي بعض كتاباته قال: «عندما أطأ الأرض الغرانيتية الصلبة بحذائي الخشبي، وأسمع القرع المكبوت من تحتي، فإنني أسمع الصوت ذاته الذي أبحث عنه لرسم لوحاتي»، كما لم يفت المعرض الشهير أن يستضيف لوحات غوغان حول البحار الجنوبية والغابات المدارية، التي شاهدها وعاشها في رحلة هروبه المثيرة من عوالم أوروبا نحو بيرو وتاهيتي ذات الطبيعة الخلابة.
المعرض تضمن لوحات لم تعرض في لندن من قبل، وبالمجمل فقد عرضت أكثر من 100 لوحة ومنحوتة خشبية وكتابات نادرة لغوغان، ويرى بعض النقاد أن رحلته نحو البحار الجنوبية أثرت على أعماله الفنية، بحيث إنها أصبحت تحمل نكهة خاصة مختلفة عن لوحاته التي رسمها في باريس، لكن الناقدة الفنية بيليندا تومسون لا تؤيد هذا الرأي، فهي ترى أن غوغان لم يتغير، وأن غريزته الفنية لم تتبدل، وأنه سعى في تاهيتي، من خلال لوحاته، لإرضاء ولعه بالتراث والأساطير، ولرواية الحكايات بالرسم، تماماً كما كان يفعل عندما كان يعيش في بريتاني وبروفانس.
الاحتفاء بغوغان
لا يعد المعرض مجرد فرصة للاحتفاء بغوغان، لكنه، كما يصفه مدير المعرض نيكولاس سيروتا، مناسبة لتقديم هذا الفنان الحداثي الرائد بطريقة مختلفة متجددة. أما السؤال المهم: فهو هل يمكن أن ينجح المعرض في تقديم غوغان لجمهرة محبيه بطريقة مختلفة بعد أن أصبح مألوفاً جداً للقاصي والداني؟
هذا يعتبر تحدياً للقائمين على المعرض، فكل المتابعين والمهتمين بأعمال غوغان يعلمون تفاصيل حياته، وكيف أنه ولد في العاصمة الفرنسية باريس، وتربى في طفولته لبعض الوقت في بيرو، وعمل بحاراً، وتزوج امرأة دنماركية، ورزق خمسة أطفال، ثم عمل في بريتاني، وعاش لأسابيع مع الفنان العالمي فان غوخ، وفي أواخر حياته عاش في بولينيزا، ليموت مريضاً ومهملاً.
لكن ما قد يفوت البعض هو أن غوغان كان شغوفاً باستكشاف عوالم وثقافات مختلفة حتى قبل أن يرتحل لتاهيتي بفترة طويلة، وفي بريتاني، كما تقول بليندا، كان غوغان مهتماً بالجانب التراثي للثقافة، وهذا الشغف ارتحل معه إلى تاهيتي، ولازمه هناك.
حياة من تمرد
ولد بول غوغان في العاصمة الفرنسية باريس، ويعد من أبناء المدرسة الانطباعية غير البارين، حيث إنه لم يلتزم بالنهج الانطباعي بدقة في لوحاته، فكان من المؤسسين لحركات فنية لاحقة مثل مدرسة أفين التي نتجت عنها الحركة التركيبية.
رحل برفقة والديه إلى البيرو، هرباً من المناخ السياسي السائد آنذاك في باريس، ثم توفي والده وهو لا يزال طفلاً لم يبلغ الرابعة من العمر، فعاش هو ووالدته وأخته لمدة أربع سنوات في بيت خاله، وبعدها عاد إلى فرنسا ليعيش مع جده في أورليان وتعلم الفرنسية، وفي سن السابعة عشرة هرب من المدرسة، وجاب البحار ملاحاً لمدة ست سنوات، فانطبعت في ذهنه صور الأماكن التي زارها وقرر العودة إليها يوماً ما.
في سن الخامسة والثلاثين ترك العمل وتفرغ للفن، لكنه لم يتوقف عن الترحال حتى وفاته.
إعداد - يوسف جباعته

