«أشكر الله على نعمة العقل، فما زلت قادراً على التحدث والاستمتاع بحياة رائعة، وأصدقاء طيبين، وعائلة جميلة، وإن لم أكن قادراً على التحدث أو ممارسة التفكير المستقل، لما استطعت أن استمتع بهذه الحياة الرائعة»، هكذا بدأ حسين محمود آل رحمه كتابه المعنون بـ «نِعم قصة كفاح ونجاح» والذي أصدره باللغتين العربية والانجليزية بالتعاون مع دار كُتاب للنشر منذ فترة وجيزة.
في كتابه الصغير يستعرض حسين آل رحمه المصاب بحالة نادرة تسمى «الاعتلال الحركي والحسي العصبي الوراثي» مقتطفات من قصة حياته التي كتبها على شكل مذكرات بسيطة، ليثبت للجميع بأنه لا يزال قادراً على إدارة حياته وتدبر شؤونه رغم هذا المرض.لا أدري كيف لي أن أصف كلمات حسين، فكتابه يشد القارئ كثيراً، ولعلها اللغة والكلمات البسيطة التي استخدمها حسين هي التي تثير الشوق في النفس لمواصلة القراءة، وهي التي تثير في النفس أيضاً الشعور بالبكاء ليس على حالة حسين وإنما لعدم قدرتنا نحن الأصحاء على إنجاز ما يقوم به حسين.
وكما بدأ حسين بكتابة كلماته، بدأ بسرد حكايته على مسامعنا، حيث قال: «بدأت قصتي مع المرض عندما وصلت إلى سن العاشرة، حيث بدأت أواجه صعوبات في المشي الذي فقدته تماماً بعد مرور عامين، لم يجعلني هذا المرض أهنأ بمدرستي التي اضطررت إلى تركها في سن الخامسة عشرة.
والسبب أنني لم أكن أرى بوضوح، ولم أتمكن من مواصلة الدراسة في أي مدرسة بسبب حالتي، كانت لدي رغبة جامحة للسفر إلى الولايات المتحدة الأميركية لمواصلة دراستي حتى أنال شهادة الثانوية العامة، ولكن للأسف لم أتمكن من ذلك بسبب خشية أهلي من ذهابي وحدي إلى هناك».
حكايات أمي
تحتفظ أمهاتنا في ذاكرتهن بتفاصيل مملة عن لحظات ميلادنا، ليسارعن لإلقائها على مسامعنا كلما كبرنا في سنواتنا وتدرجت أقدامنا في المشي، الأمر ذاته كان مع حسين التي سارعت والدته لرواية حكاية ميلاده، حيث قال:
«عرفت من حكايات أمي أنني ولدت مبكراً، وبسبب ذلك مكثت في الحضانة مدة شهرين متتاليين، حينها استقبلت عائلتي خبر قدومي بفرح عارم، فقد كنت طفلاً جميلاً، ومع مرور الأيام بدأت أكبر حتى حان وقت دخولي إلى المدرسة، وكنت سعيداً بالذهاب إلى المدرسة ففيها استطعت أن أكون صداقات عديدة حتى الصف الرابع الابتدائي»، ويضيف:
«لقد كان خبر عدم قدرتي على المشي مؤلماً ليس لي فقط وإنما لكل أفراد عائلتي، وكانت والدتي الأكثر قلقاً على صحتي، منذ تلك اللحظة بدأت برحلة علاج طويلة بدأتها من تشيكوسلوفاكيا».
مرحلة العمل
بسبب مرضه اضطر حسين إلى ترك مدرسته التي أحبها كثيراً بكل ما فيها من معلمين وإدارة وطلبة، وقد تمكن فيها من تكوين صداقات عدة، وحول ذلك قال حسين: «أذكر أنني بكيت كثيراً في أخر يوم لي في المدرسة، لأنني لن أتمكن من مواصلة دراستي، ولأنني لن أحظى بأصدقاء بعد ذلك اليوم.
ولن ألتقي مع المعلمين والمدير مرة أخرى، وهم الذين تفهموا وضعي وحاولوا جاهدين تقديم المساعدة لي وإعانتي على مواصلة الدراسة، خروجي من المدرسة سبب حزنا لوالدي الذي لم يدخر جهداً لإسعادي وتوفير كل ما أحتاجه، وأذكر حينها أنني قلت لوالدي بأنه لن يكون لي منذ الآن أصدقاء، حينها بادر والدي بالقول لا تقلق، فهناك شركة اسمها «دبي غاردن سنتر» وأن مديرها يرغب بمقابلتي، لا أنكر أن ذلك شكل مفاجأة بالنسبة لي لأن هذه الفرصة ستعيدني إلى الحياة مرة أخرى.
وبالفعل في اليوم التالي توجهت مع والدي لمقابلة السيد علي البادي المدير العام، والذي وعدني بالحصول على وظيفة «مراسل» براتب شهري، وهو ما أثار السعادة في قلبي.
في الشهور الأولى لم أكن أعرف في المكتب سوى السيد علي، ولكن ذلك لم يمنعني من الاجتهاد في عملي الذي أدى إلى رفع مسؤولياتي بأن وضعت في غرفة المراسل، وأصبحت مسؤولاً عن البريد الذي يصل إلى كل موظفي الشركة البالغ عددهم نحو 300 موظف، وبالطبع كان ذلك كفيلاً بأن يجعلني سعيداً لشعوري بأنني أديت عملا عظيماً»، ويواصل:
«أعتقد أن اجتهادي في العمل ساعدني كثيرا على بناء علاقة جيدة مع مدرائي الذين لا يدخرون جهدا في مساعدتي، وبالطبع أدى ذلك إلى تعميق العلاقة معهم، لدرجة إنني لا أحب أبداً الحصول على إجازة حتى لا أبتعد عنهم».
رغم المرض الذي يلم بحسين إلا أن سنه لا يتوقف عن الضحك، وهو دائم المزاح مع المحيطين به، ولعل هذه الصفة كانت من بين الصفات التي ورثها حسين عن والده، الذي يبادر إلى رسم الضحكة على شفتي حسين كلما رآه حزيناً أو متكدراً.
وهو ما يشير إلى وجود علاقة بين حسين ووالده قوامها الصداقة، وحول ذلك يقول حسين: «أحب والدي جداً، فهو يبذل قصارى جهده لتوفير كل ما أحتاجه، وهو دائم الاهتمام براحتي ويرافقني إلى كل مكان أذهب إليه خاصة عند زيارة الطبيب، كما أنه ووالدتي دائما السؤال والاتصال بي عندما أكون في عملي، ويخافان علي كثيراً في حالة تأخري عن موعد عودتي».
وتابع: «لقد رافقني والدي طوال رحلة علاجي التي بدأت في تشيكوسلوفاكيا وامتدت لتطال عدداً الدول منها ألمانيا التي سافرت إليها للعلاج، وتواجد معي حينها عمي منير وعمي حسين، وأذكر أن عائلتي ووالدي شعروا بالقلق على حياتي عندما عرفوا بأن نسبة نجاح العملية لا تتجاوز 60%، والشعور ذاته ساد وسط زملائي في العمل، فهم أيضا كانوا يترقبون عودتي إلى العمل، وكانوا دائمي السؤال والاطمئنان على صحتي خاصة وأنني كنت قد اتصلت بهم لوداعهم للمرة الأخيرة، وقلت لهم: يوجد هناك احتمال أن لا أعود للعمل مرة ثانية».
تحدى إعاقته بالعمل والكتابة
تميز حسين آل رحمه بإرادة قوية، فمن خلالها تمكن من إحداث تغيير واضح في حياته، ومكنته من مجابهة مرضه بكل ما يفرضه من تحديات وعقبات، وبحسب الدراسات العلمية فإن المصابين بهذا المرض يولدون بقدرات طبيعية، ولكن كون الإعاقة تنطوي على الضرر التدريجي للأعصاب، فإن أعراضها عادة تظل غير ظاهرة لعدة سنوات.
وهو ما حدث مع حسين الذي حاولت عائلته جاهدة أن توفر له العلاج الطبيعي حتى يتمكن من المشي، ولكن المرض كان قد سيطر على أعضاء حسين وأقعده في كرسي متحرك، ولكن حسين لم يسمح له بأن يسيطر على حياته التي كيفها بطريقة تخدمه وتعينه على مواجهة المرض.
حسين أصبح الآن قادرا على استخدام المترو، والتوجه إلى مراكز التسوق وحده، وشراء ما يحتاجه، كما أنه قادر على أداء المسؤوليات الموكلة إليه في عمله في «دبي جاردن سنتر»، والذي أصبح فيه مسؤولاً عن رسائل 300 موظف، كما أنه لا يزال قادراً على رسم الابتسامة على وجوه كل من يلاقيهم، وفضلاً عن ذلك لا يزال حسين قادراً على القراءة والكتابة باللغتين العربية والانجليزية، والتواصل مع الآخرين عبر شبكة الانترنت.
أحب دبي وتمنيت أن أكون شرطياً
يحتضن حسين الذي طالما تمنى أن يكون ضابطاً في الشرطة في قلبه الصغير حباً كبيراً لدبي والإمارات، والتي لم تقصر معه أبداً، وحول ذلك قال: «أحب دبي بطريقة لا توصف، فقد وفرت لي كل ما أحتاجه في ألمانيا من مصاريف العلاج والإقامة، أعتقد أن ذلك كافيا لأن يجعلني أحبها أكثر من أي شيء».
وأذكر عندما قابلته لأول مرة أن الضحكة لم تغب عن وجهه، وهو الذي أصر على توقيع كتابه بنفسه لأي شخص حصل عليه، لم يكن يسمح لأحد آخر القيام بذلك عنه، ولم يمنعه مرضه أو حتى كرسيه المتحرك من التواجد في أكسبو الشارقة طوال أيام معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الأخيرة.
لدى حسين قصص كثيرة لروايتها، وأصدقاء كثر يرافقونه في كل كلمة يكتبها، وهو ما يبدو واضحاً من خلال صفحته على موقع الفيس بوك، والتي تمتلئ بتعليقات الأصدقاء الذين تجاوز عددهم الـ 100 من كافة أنحاء العالم، وأجمل ما في هذه الصفحة أن حسين استطاع أن يملأها ضحكا وشغفا رغم حالته المرضية.
لم تتوقف قصة حسين عند هذا الحد، فلديه الكثير من الكلمات والأشياء التي يمكنه القيام به، فهو يتقن الانجليزية بطلاقة وبعض الفلبينية والهندية، ويقوم بتعليم العربية لغير الناطقين بها، كما يمكنه استخدام الكمبيوتر، والسباحة، وبوسعه الذهاب إلى السينما واستخدام المترو، وقادر على عقد اجتماعات العمل، كما يمكنه استخدام الهاتف المتحرك، وبلا شك أن الأجمل من كل ذلك أنه قادر على إدخال السعادة على قلوب الجميع، ولأجل ذلك فقد عمل حسين على إنشاء موقع الكتروني خاص به، يمكن للجميع التواصل معه عن طريقه.
غسان خروب

