مهمة شاقة يتحملها الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد ـ كبير مفتين ومدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، ولكنه يستلذ بها ويتعامل معها كأمانة يجب أن تؤدى بأكمل وجه لما لها من قيم وفضائل وفوائد تعم على المجتمع الإسلامي بأكمله، ويعمل في هذا المجال منذ أكثر من 16 عاما.
وقال إن مهمة العلم والإفتاء بالذات تعتبر كبيرة وشاقة، إلا أنها لذيذة وطيبة ومريحة للنفس ومرضية للرب يعيش الإنسان فيها بين أفنان العلوم والمعارف، ويتغذى منها غذاء روحيا وينثر هذه المعارف لإخوانه المسلمين والمسلمات وهذه هي مهمة الأنبياء والرسل الذين يبلغون رسالة الله ويخشونه.
ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا، وقال عليه الصلاة والسلام: «بلغوا عني ولو بآية، فرب مبلغ أوعى من سامع». وقال صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم».
الخروج من الحرج
ومن هذا المنطلق فإن عملي يرتبط بالجمهور من مختلف الشرائح، ويطغى على عملي شقين أساسيين، وهما الشق الرسمي والشخصي، ولكل شق جوانبه وخصائصه، فالشق العائلي يتمثل باعتباري رب أسرة عليه مسؤوليات عائلية تتكون من تواجدي في البيت وتوفير المتطلبات الشرائية ورعاية الأطفال.
ويحمل عملي الطابع الاجتماعي من حيث استقبال الناس والزوار لغرض ديني أو دنيوي في فترة الصباح وحتى الليل، كما يعتبر الشق الرسمي الطاغي على حياتي من 3 نواح وهي الثبات في الدوام لوقت محدد ومباشرة العمل المكتبي، وتلقي ومقابلة الناس في المكتب وحل قضاياهم.
وضرورة استقبال الناس في سائر الأحوال والأوقات لخدمة العمل الرسمي بمختلف الوسائل شفاهيا وهاتفيا وكتابيا للصحف والمجلات والكترونيا، وبطبيعة الحال فإن عملي يتعلق بالجانب الرسمي ولكن بغير وقت الرسميات يستمر لساعات متأخرة من الليل، وارى انه من مقتضيات العمل، فلا بد من وجود عالم يحل مشاكل الناس ويصلح أمورهم عملا بقول الله تعالى:
«واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» ولا بد للعالم أن يحسن أداء عمله وواجبه باعتباره أمانته ومسؤوليته أمام الله، حيث قال تعالى: «و إذ اخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه»، كما قال صلى الله عليه وسلم:
«من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار» فمهامي جلها ترتكز على حل مشاكل الناس الدينية والدنيوية والاجتماعية، ولا يلجأ إلي إلا صاحب مشكلة في ذات نفسه وعباداته ومعاملاته ومجتمعه العام والخاص، فيلجأ لذلك لمعرفة حكم الله في هذه المشاكل، ودوري يستدعي أن أبين الدور الشرعي ليستنير السائل وليكون على بينة من أمره، فينشرح صدره ويعمل بشرع ربه ويكون في سعادة غامرة إذ كونه خرج من ذلك الحرج الذي كان يشعر به بهذا النور الإيماني والإسلامي الذي وصل إليه.
ان للعمل في الإفتاء وقع كبير على الناس، وذلك باعتبارنا ننتشل الناس من أوحال المعاصي إلى ساحة الطاعة، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن عالم الحيرة إلى نور البصيرة، وحاجة الناس للمسائل تكون ماسة ولا يكاد يخلو منها احد، حتى العالم والمثقف يحتاج إلى من يناقشه ويستوضحه ويزيده طمأنينة وثباتا بما هو عليه، جنبا إلى جنب مع إرشاد إلى ما هو أخير لأحد أمريه.
قضايا الناس
إن من واقع تعاملي في مجال الإفتاء، لمست أن قضايا الناس مختلفة بين العبادية والاجتماعية والمعاملات المادية، أما العبادية فهي كثيرة وتدخل في مختلف أبواب العبادة، ويحتاج الناس إلى أن يتفقهوا فيها حتى تصبح عبادة من طهارة وصلاة وزكاة وصيام وحج وأضحية وعقيقة وإيمان ونذور وغيرها، والاجتماعية فهي من الكثرة بمكان، لاسيما الأسرية التي نعاني من كثرتها عناء كبيرا ألما على وضع الأسرة التي تتصدع كل يوم بكثرة الطلاق وسوء الشقاق وحرصا على لم الأسرة في ضوء شرع الله المتين.
حدث ولا حرج
في ما يتعلق بقضايا المعاملات المادية يمكنني قول «حدث عنها ولا حرج» لكثرة مستجداتها ودقة تفاصيلها وكثرة شبهاتها، وقليل من الناس من يتفطن بدقائق تفاصيلها، فالناس بين واقع في حمأة الربا وبين مبتعد عنها حفاظا على دينه تماما، وهذان طرفي المعادلة، أما الطرف الثالث أو الوسط فهم الذين يسألون عن الحلال والحرام خوفا من الوقوع في الحرام وإتباعا للحلال، وحرصا على عدم الوقوع في المتشابه، ودورنا أن نتكلم بما علمنا الله .
وبما يرضي ربنا سبحانه وينفع إخواننا المسلمين بتبصيرهم ونفعهم، ومن المعلوم أن الحياة هي حياة مادية طغت المادة فيها على كثير من القيم والأخلاق، والمسلمون حريصون على الابتعاد عن ذلك لأنهم عائدون إلى الله ويخافون للطاعة ويرجون رحمته، والذي يبصرهم بذلك هم السادة العلماء المفتون الذين تتجاذبهم الأسنة من مختلف الجهات، غير أنهم لا يبالون إذا كان ذلك في رضوان الله تعالى.
نادية إبراهيم
