نادراً ما نجد من يهتم بمطالعة مجلة صحية أو يقرأ المقالات الطبية التي يكتبها المتخصصون في الصحف كتوعية صحية للقراء بشأن موضوع محدد، أو يحذرون من مخاطر أو يحبذون سلوكيات صحية أو ينبهون لكيفية التصرف حيال الأمور الطارئة. وفي المجتمعات الشرقية بصفة عامة لا نجد من يهتم بزيادة رصيده من المعلومات الصحية إلا إذا ألم به مرض أو وقعت به نازلة، أو لأحد أقاربه أو أصدقائه، في هذه الحالة فقط يهرع إلى المكتبة للبحث في الحروف الأبجدية حول موضوع معين.
ومن وجهة نظره قال يوسف باقر - مهندس كمبيوتر: إن القراءة في الموضوعات الطبية يعتبرها البعض من القراءات المتخصصة التي يجب أن تكون من نصيب الطبيب صاحب التخصص فقط، بينما يملي علينا المنطق أن نرفع درجة ثقافتنا الفردية في هذا الجانب لكي نفهم آلية عمل الجسم على الأقل، ونعرف كيف يمكن لنا أن نتجنب الإصابة بالمرض، وكيف نساعد الجسم على تفادي المشكلات الصحية، ويضيف أن مطالعة المجلات الصحية لا تتم إلا في عيادة الطبيب عندما ننتظر دورنا للفحص، ولو قمنا بهذه المطالعة من قبل فمن يدري لعلنا لم نكن من بين صفوف المرضى المنتظرين.
فجوة معرفية
ويشير باقر إلى وجود فجوة معرفية بين ما تنشره وسائل الإعلام كتوعية صحية لنا، وبين ما نمارسه من طقوس صحية في حياتنا العملية، وضرب مثلاً بالتوعية من مخاطر التدخين ومشكلاته التي تتفاقم لتؤدي ربما إلى الإصابة بالسرطان وربما إلى الوفاة، مؤكداً أن هذه الحملات لم تسفر عن تغيير جذري لدى المدخنين كما كنا نتصور، بل يتزايد العدد بين الشباب مع الأسف، كذلك تحذر المقالات الطبية من مخاطر الإسراف في تناول الدهون والسكريات خلال الوجبات اليومية تجنباً للإصابة بالسمنة المفرطة أو مشكلات الكبد أو مرض السكري، ولكن من الناحية العملية لا نجد الصدى الإيجابي لدى الجمهور من حيث التنفيذ، فلا تزال مشكلات السكري تتزايد والسمنة تعد واحداً من أخطر مظاهر العصر خاصة في منطقتنا الخليجية.
ويبرر يوسف هذه النتائج العكسية بوجود قناعة ذاتية لدى كل شخص بأنه يسيطر على الوضع، وسوف يتوجه إلى الطبيب في الوقت المناسب إذا شعر بالمشكلة وقبل أن تتفاقم، ولا يعرف أن القليل من الثقافة الصحية ربما تنقذ حياته أو حياة من يحب، ويضيف أن البعض يتصور خطأً أن الثقافة الصحية لا تهم سوى الأطباء والمرضى، ولا يفهم كم من الضروري أن يعرف الحد الأدنى منها تجنباً للتعرض للمشكلات الصحية ولمزيد من التعامل الصحيح مع أجزاء الجسم التي قد لا يعرف البعض منا أي شيء عنها وعن آلية عملها.
مزيد من الاهتمام
وقال عيسى محمد - طالب جامعي: إن هناك حالة عامة من الإهمال في التثقيف الذاتي المتعلق بالثقافة الصحية، وأن بعضاً من المشكلة سببها وسائل الإعلام التي لا تقدم المادة الإعلامية في صورة سهلة تشجع الجمهور من متوسطي المستوى الثقافي، أو من أصحاب الثقافة العامة العادية على فهم المعلومات، ويضيف أن الكتابات الطبية تعتبر من المواد المتخصصة والتي تحتاج إلى الشرح والتفسير منعاً لسوء الفهم وبالتالي سوء التطبيق،ويؤكد على أن الوعي بالأمور الصحية يحتاج إلى مزيد من الاهتمام على المستوى الفردي والجماعي،وأن موضوعات التوعية الصحية لابد من اختيارها بعناية وصياغتها بدقة.
التليفزيون والانترنت
وعن أهم الوسائل الإعلامية التي يمكنها حمل الرسالة الصحية وتقديمها بصورة إيجابية إلى الجمهور المستهدف قال عيسى إن التليفزيون والانترنت هما في مقدمة وسائل الإعلام التي يمكن أن تقدم خدمة متكاملة في هذا المجال، والتليفزيون على وجه الخصوص يفيد الأجيال التي تفضل تلقي المعلومات بصورة مباشرة ومريحة.
كما أن هناك شريحة كبيرة منا لا تجيد ولا تريد التعامل مع الشبكة العنكبوتية، فيظل التليفزيون هو الوسيلة الأنسب لبث النصائح الصحية، بينما يمكن صياغة حملات منظمة للتعريف بأهمية التوعية الصحية، وضرورة المحافظة على الصحة مع محاضرات عن الإسعافات الأولية، وكيفية مساعدة المرضى إلى أن يصل الطبيب، وذلك على شبكة الانترنت التي تسهل على المتصفح التعرض لهذه المعلومات ولاستفادة منها على النحو الذي أعدت من أجله.
ويضيف عيسى أن أهم مشكلات الصحة العامة التي نعانيها ترتبط بالعادات الغذائية غير الصحية، وذلك يستوجب أن نهتم بهذا الجانب لأننا نرى سلبيات عديدة في المجتمع نتيجة هذه العادات مثل الأزمات القلبية والسكتات الدماغية، وكل هذه الحالات يمكن تجنبها بقليل من الاهتمام بالتوعية الصحية من جانب الجمهور، ويشير إلى ضرورة الاستفادة من الإذاعات المحلية في توسيع رقعة البرامج الصحية التي تقدمها هذه الإذاعات خلال ساعات البث اليومي.
نقص الوعي الصحي
أما مهندس الاتصالات وائل محمود فيرى أن هناك نقصا شديدا في الوعي الصحي في المجتمعات العربية، نتيجة عدم وجود مطبوعات عربية كافية لاطلاع الراغبين في ذلك، ويقول أن المكتبة العربية في مجال الطب لا تحوي سوى الكتب المتخصصة التي لا يفهمها سوى الطبيب أو طالب الطب، بينما لا وجود فعلي للكتب التي تتسم بالتبسيط العلمي، وبالتالي قد يسبب ذلك مشكلة ثقافية في هذا المجال وقد يؤدي إلى إهمال الجمهور لذلك النوع من الثقافة مع أهميته في تجنبنا للعديد من السلوكيات الصحية غير السليمة.
ويضيف محمود أننا لم نتعود أن نقرأ الموضوعات الطبية التي تنشرها المجلات بين وقت وآخر لأننا لا نلجأ إلى ذلك إلا بعد أن يقع المحظور، ونحتاج إلى معلومات إضافية في مجال محدد، أما ما عدا ذلك فلا نحاول الاطلاع على ما يقدمه العلم والطب لنا من خدمات حديثة أو علاجات أو توعية بخطورة بعض الممارسات الغذائية أو الشخصية كالتدخين مثلاً، أو غير ذلك من العادات السيئة.
ويشير محمود إلى أن العديد من البرامج الصحية التي يبثها التليفزيون لا تجد للأسف من يهتم بمشاهدتها، مع أنها تقدم نصائح بسيطة قد تنقذ حياة إنسان،ولن تكلفنا هذه النصائح من شيء اللهم إلا عدة دقائق، ويضيف أن هذا النقص في المعلومات الصحية لا نكتشفه إلا إذا زرنا الطبيب لاستشارته في مشكلة مرضية، فنعرف أن لنا سنوات طويلة نمارس عادة غذائية أو يومية غير سليمة.
الإسعافات الأولية
وقال محمد علي- موظف- إننا لا نقدر أهمية المعلومات الصحية، خاصة مع التقدم في السن وظهور عوارض مرضية لدى البعض مثل ارتفاع ضغط الدم أو ازدياد نسبة السكري أو غير ذلك من المشكلات الصحية، ويضيف أن الإسعافات الأولية من المعلومات الضرورية ويجب أن يلم بها كل الأطفال والشباب، ومن المهم أن يتعلم كل منهم كيف يتعامل مع حادث على الطريق أو إصابة لأحد من أفراد أسرته تحدث بصورة مفاجئة أو غير ذلك من المفاجآت غير السعيدة، ويقول إن التصرف السليم في هذه المواقف يغير من مستقبل المريض ويحوله إلى وضع آمن عندما يحسن المسعف التصرف.
ويؤكد محمد علي أن هذه الأمور ليست من الصعوبة بمكان، ولكن يمكن لكل منا الالتحاق بدورات الإسعافات الأولية التي تنظمها كل فترة الهيئات المعنية، للحصول على المهارات التي يتطلبها هذا العمل، ويشير إلى أن هذه المهارات قد يستفيد منها شخص آخر بعيد عن دائرة الأسرة والأصدقاء والمعارف، لأن لا أحد يدري كيف تسير الأمور خلال الرحلات مثلاً، سواء أكانت رحلات في البر أو البحر، كما أن اندفاع بعض الأطفال خلال الحياة اليومية قد يؤدي إلى الإصابة دون قصد، ولابد من وجود من يحسن التصرف بناء على خبرات يمكنه استقاءها من وسائل الإعلام إذا أراد ذلك دون أي مجهود يذكر ودون تكلفة مادية.
معلومات
اهتمام متزايد بالثقافة الصحية
قال الدكتور أمين الأميري المدير التنفيذي لشؤون الممارسات الطبية والتراخيص بوزارة الصحة، إن اهتمام الجمهور بالثقافة الصحية تزايد خلال السنوات الأخيرة، وبدأت فئات المجتمع المختلفة بالاعتماد على الثقافة الذاتية من خلال الخدمات الالكترونية التي تقدمها المواقع المختلفة على شبكة الانترنت من داخل وخارج الدولة، كما يقوم البعض بالاستعانة بالنشرات والكتيبات الإرشادية التي تنشرها الجهات المعنية بالدولة، للحصول على المعلومات الموثقة في مجال الثقافة الصحية.
وأضاف د. الأميري أن هناك تزايدا في الاهتمام بقراءة الإرشادات الصحية حول الموضوعات التي تهم قطاعات واسعة من المجتمع، مثل التوعية من الأمراض الخطرة ومخاطر العادات الغذائية غير الصحية ومشكلات زيادة الوزن وغيرها من الموضوعات المهمة. وأشار الأميري إلى أن المطبوعات والبرامج التي تتناول التثقيف الصحي لا يجب أن تقف عند حد معين، لأننا نحتاج إلى المزيد منها لرفع درجة الوعي الصحي لدى أفراد المجتمع، مع ضرورة الاهتمام بتقديم المعلومة المبسطة والمباشرة التي يستطيع الشخص العادي أن يفهمها بسهولة.
ميزانية
إنفاق كبير على التوعية الصحية في أميركا
أظهرت دراسة حديثة أجرتها كلية الطب التابعة لجامعة ميتشيغن الأميركية أن حجم الإنفاق الحكومي في الولايات المتحدة على مواد التوعية والتثقيف الصحي خلال العام 2009 بلغت 18 مليار و700 مليون دولار، تم من خلالها تقديم برامج توعوية متخصصة في القنوات التليفزيونية، وتقديم الدعم اللازم لإحدى القنوات المتخصصة في بث البرامج الطبية، كما تم الإنفاق من هذه الميزانية على المواد الدعائية والمقالات الصحية المنشورة في الصحف والمجلات اليومية والأسبوعية.
كما تم من خلال هذه الميزانية طبع نشرات متخصصة في الشؤون الصحية في مناسبات خاصة، ودعم الدراسات الإعلامية المهتمة بالشأن الصحي. ويمثل هذا الرقم من الإنفاق حسبما ذكرت الدراسة 33% من حجم ميزانية الرعاية الصحية في الولايات المتحدة الأميركية خلال العام 2009، مما يعكس الاهتمام بتسويق البرامج الإعلامية الصحية، وكان النصيب الأكبر من هذه الميزانية لبرامج مكافحة السرطان، تليها برامج التوعية من السمنة، ثم برامج مكافحة أمراض ضغط الدم والسكري ورعاية المواليد الجدد
دبي - أيمن حجازي



