في الوقت الذي تبذل فيه بلديات الدولة، كل جهودها للارتقاء بالمظهر الحضاري للدولة، وفيما تسعى مدن الدولة لدخول المسابقات العالمية، للفوز بجوائز أجمل المدن، وعلى الرغم من الاهتمام بالتشجير وزيادة مساحة الرقعة الخضراء، وتحسين شبكات الطرق، ومحطات الحافلات، والمواقف والمتنزهات، وما إلى ذلك من مرافق عامة.

ورغم الأموال الطائلة التي تخصصها الدولة، من أجل تجميل المدن، هنالك بعض الأيادي التي تعيث تخريباً، وتتعمد تشويه ما تراه جميلاً، دون أن تجد من يراقب أو يحاسب.ومؤخراً انتشرت في مدينة أبوظبي،ظاهرة غريبة، ألا وهي قيام الكثير من الأفراد بالتعدي على المرافق العامة، عبر ملصقات يثبتونها على أعمدة الإنارة ومحطات الحافلات وجدران البنايات، وفي أي مكان تقع عليه أعينهم، وذلك للإعلان «مجاناً» ومن دون أدنى اهتمام بالذوق العام، عن سلع يبيعونها، أو غرف يؤجرونها، فضلاً عن الإعلانات عن الدروس الخصوصية والسيارات التي توفر خدمات نقل الركاب، داخل وخارج المدينة.

هذه الظاهرة الغريبة والتي تفشت بصورة لافتة للنظر، أصابت الكثيرين بالضجر، كونها تتعدى على حقوقهم في التمتع برؤية الجمال وهو حق إنساني أصيل حسب تعبير عدد من المواطنين والمقيمين.

فأين دور دائرة بلدية أبوظبي في مكافحة هذه الظاهرة؟ ولماذا لا توجد إجراءات عقابية يتم اتخاذها بحق مثل هذه السلوكيات، وهو أمر بالغ السهولة، خاصةً وأن هؤلاء المعلنين يتركون أرقام هواتفهم آمنين ومتأكدين من أن أحداً لن يوجه لهم حتى «أرق اللوم»؟ وما ضمانات عدم استخدام هذه الإعلانات «غير المراقبة» للإعلان عن أشياء ضارة، مثل «الأعشاب الطبية» أو للإعلان عن أشياء غير أخلاقية؟

هذه الأسئلة وغيرها... هي ما نحاول الإجابة عليه عبر السطور المقبلة.

اعتداء سافر

يقول عبد الله العدوي «موظف حكومي»: «ما من شك في أن الملصقات التي انتشرت في كل مكان مؤخراً، تمثل اعتداءً سافراً على المظهر الجمالي لمدينة أبوظبي، والغريب حقاً أنه لا توجد أية جهود يمكن لمسها للقضاء على هذه الظاهرة الغريبة، على الرغم من أن «المعلنين» يتبجحون، فيتركون أرقام هواتفهم وأحياناً عناوينهم وبريدهم الإلكتروني، من دون أن يخافوا سوء العاقبة.

ويضيف: «إن هذه الملصقات غير القانونية تنتشر في كافة شوارع أبوظبي، وتزداد بصورة لافتة للانتباه في الشوارع التجارية المكتظة، مثل شارعي حمدان وزايد الثاني ومنطقتي النادي السياحي والخالدية، مما يجعل هذه المناطق التي يؤمها كل سكان المدينة، تعاني من التلوث البصري المقزز وغير الحضاري.

ويقول عبد القادر الخواجة «مبرمج كمبيوتر»: «طالما استوقفتني هذه الظاهرة التي لم أجد لها مثيلاً في أي مكان، وكثيراً ما تساءلت عن سر الجرأة التي يتسم بها المعلنون، الذين يمارسون اعتداءات متكررة على المظهر الجمالي للمدينة من دون أن يردعهم رادع.

ويضيف: «الأخطر من ذلك، أن معظم الإعلانات تخالف القانون، فهناك إعلانات عن مستحضرات عشبية طبية، وهو أمر ممنوع بحكم قوانين وزارة الصحة، ذات الصلة بالإعلانات الطبية، وهناك إعلانات عن الدروس الخصوصية، وهي مما ترفضه وزارة التربية والتعليم، وتتصدى له بكل قوتها، هذا فضلاً عن الإعلانات عن سكن العزاب.

وهذه أخطر الإعلانات على الإطلاق، ذلك أن بعضها يحتوي على عبارات مريبة، مثل «مطلوب فتاة من جنسية أجنبية للمشاركة في غرفة مع عائلة صغيرة، أو شاب لغرفة في شقة تقطنها أسرة غربية أو آسيوية»، وما من شك في أن هذه العبارات المريبة، تمثل صفعة مباشرة لما يتخذه مجتمعنا من قيم وأخلاقيات، وتستدعي أن تتولى كل أجهزة الدولة المعنية، دورها المطلوب في مكافحة الظاهرة.

ويرى محمود سلطان «مندوب تسويق» أن هنالك حالة من التراخي والتسامح غير المطلوب مع من يقومون بتثبيت هذه الإعلانات في كل مكان، موضحاً أن معظم الإعلانات توجد على أعمدة الإنارة، وغرف الهواتف العامة، ومحطات الحافلات.

ويقول: «لا أهتم عادةً بقراءة هذه الإعلانات، غير أن عيني كثيراً ما تلتقطان بعض العبارات، ومن الملاحظ أن الكثير من الإعلانات تكون لمقتنيات يرغب أصحابها في بيعها، وهو أمر محفوف بالمخاطر، إذ لا ضمانات حاسمة، على كون البائعين هم أصحاب هذه المقتنيات الأصليين، ولم يقوموا بسرقتها، موضحاً أنه قرأ مرةً إعلاناً عن ساعة سويسرية فاخرة، مما أثار في نفسه الشكوك، ولما اتصل بالبائع من باب الفضول ليس إلا وسأله عما إذا كانت لديه فاتورة الشراء الأصلية، أخذ يتهرب، ولم يعد يجيب على الاتصالات.

سلوكيات خاطئة

ويوافقه الرأي محمد التميمي «إداري بشركة عقارات» حيث يقول: «وجود مثل هذه الظاهرة، يفتح الباب أمام مشكلات كبرى، فبالإضافة إلى أنه من الممكن أن يستخدم بعض ضعاف النفوس هذه الإعلانات غير الخاضعة للرقابة، هنالك مخاوف من أن تستخدم لإشاعة سلوكيات خاطئة في المجتمع.

موضحاً أنه قرأ شخصياً منذ بضعة شهور إعلاناً عن حفلة تقام في أحد الفنادق المغمورة، يشترط أن يكون روادها من طلاب وطالبات المدارس الثانوية فقط، على ألا يأتي أي مراهق من دون أن يصطحب معه صديقته «الجيرل فيرند» حتى يسمح له بالدخول.

ويضيف «لا يمكن نشر هكذا إعلان في الصحافة المكتوبة أو أي وسيلة إعلامية أخرى، ولكن في ظل عبث البعض، وتعمدهم تحويل الجدران إلى لوحات إعلانية مجانية وقذرة، وفي ظل عدم وجود رادع لهؤلاء أصبح كل شيء ممكناُ.

ويضيف «من الواجب في ظل ما قد ينجم عن هذه الظاهرة من مشكلات، وما تسببه من أضرار وأذى يلحق بالمظهر الجمالي للمدينة، أن يتم العمل على التصدي لها، ومن المنطقي أن يبدأ العمل أولاً بحملة لإزالة كل الملصقات، عن الجدران والأعمدة، مع نشر تحذيرات مشددة بأن هناك إجراء عقابي ضد كل من يضرب عرض الحائط القانون، ويقوم بتثبيت أي إعلان على أي من المرافق العامة.

التلوث البصري يهدد سكان المدن

أكد الدكتور أحمد يوسف استشاري الأمراض النفسية، المدير الطبي لمركز أبوظبي للتأهيل أن عدم قدرة النفس البشرية على تذوق الجمال، وشعورها بأنه ليس مما يثير ارتياحها، يعد مؤشراً على مجموعة كبيرة من الأمراض النفسية، قد يكون الاكتئاب أهونها، مؤكداً أن سكان المدن الكبرى هم أبرز ضحايا هذه الحالة المرضية، فيما لا يعاني سكان الريف أو المناطق البدوية من أعراضه، نظراً لأنهم يعيشون فيما يمكن تسميته في وسط «بكر» لم تلحق به يد الأذى.

ويقول: إن علماء النفس قد أولوا موضوع التلوث البصري اهتماماً كبيراً، هو مصطلح يطلق على العناصر البصرية غير الجذابة، كاللوحات السيئة، والقمامة، وبعض الجدران والمباني غير المتناسقة.

والعمارة غير المنظمة، والأعشاب والإعلانات العشوائية، ويشير المصطلح أيضاً إلى أن التلوث البصري هو أي منظر تقع عليه عين الإنسان فيحس بعدم الارتياح نفسي، ويمكننا وصفه أيضاً بأنه نوع من أنواع انعدام التذوق الفني، أو اختفاء الصورة الجمالية لكل شيء يحيط بنا من أبنية أو طرق أو أرصفة أو غيرها.

ويتابع: إنه مما سبق يتضح أن ظاهرة الملصقات الإعلانية العشوائية التي تبدو بسيطة وغير مهمة بالنسبة للكثيرين، تعد بالغة الضرر على الصحة العامة في المجتمع، موضحاً أن هذه الظاهرة أكثر تفاقماً وتفشياً في المدن العربية، فيما بدأت بعض الدول الغربية والآسيوية وضع حلول جذرية شاملة للتقليل من التلوث البصري، ومنها منع تثبيت اللوحات الإعلانية على الجدران، والتقيد بلون واحد لدى تصميم المباني، والاهتمام بنشر المساحات الخضراء وما إلى ذلك من إجراءات تضمن الحفاظ على روح الجمال.

الحاجة إلى الجمال

ويرى أن الحاجة إلى الجمال تعد من الحاجات الإنسانية الأساسية، وهي تميز الكائن البشري دون بقية المخلوقات، فالطفل منذ نعومة أظفاره يميل إلى التمييز بين ما هو جميل وما هو قبيح، فنراه يحب رؤية الزهور والجداول والمناطق الطبيعية المفتوحة، وحينما ينمو وعيه نراه شغوفاً بالموسيقى، وقد يرتاد المسارح والمتاحف وغير ذلك من أماكن، لا لشيء إلا لإشباع حاجته في أن يتواجد في بيئة جميلة.

ويضيف: وعلى هذا الأساس يكون الجمال حاجة إنسانية روحية رفيعة المستوى وشرطاً أساسياً من شروط العيش في حياة سعيدة وممتعة، وفي الوقت الراهن فقد أضحى الجمال والحاجة الجمالية والمعايشة الجمالية أبعاداً فلسفية لها شموليتها وعمقها وتأثيرها في الفكر الإنساني العام والمعاصر.

ويتطرق الدكتور يوسف إلى ما يسميه بالملصقات العشوائية على الجدران قائلاً: إن هذه الملصقات تعتدي على الجمال وتؤدي إلى تشويه الوسط المحيط بالإنسان، مما يتسبب في حرمانه من إشباع حاجته إلى الجمال، وبالتالي يشعر بالقلق والاضطرابات وأحياناً بالاكتئاب متوسط الحدة والحاد، مشيراً إلى أن أطباء علم النفس حينما ينصحون مريضاً ما بقضاء إجازة في أحد الأماكن الطبيعية، إنما يقصدون من وراء ذلك إعادة العلاقات بين الإنسان وبين الجمال المحيط به، وإبعاده قدر الإمكان عن الملوثات البيئية والبصرية التي تعج بها المدن.

إعلانات الطرقات اعتداء على الجمال

خرق غاشم واعتداء سافر على الجمال، يمارسه البعض من دون أن تهتز له شعرةً، وبلا أدنى شعور بتأنيب الضمير.ملصقات إعلانية غير قانونية، يتم تثبيتها على جدران البنايات وأعمدة الإنارة ومحطات الحافلات وفي المنتزهات العامة والحدائق، لبيع مقتنيات أو الترويج لخدمات وما إلى ذلك، من وراء ظهر القانون.

وبمنأى عن الرقابة، مما يفتح الأبواب على مصاريعها لدخول سلوكيات غريبة أو إجرامية إلى المجتمع، حيث لا توجد ضمانات تمنع الإعلان عن سلع مسروقة، أو غير أصلية، وكذلك الإعلان عن خدمات ممنوعة بحكم القانون، كالإعلان عن سيارات خاصة لنقل الركاب، أو سكن للعزاب وسط الأسر وكذلك الدروس الخصوصية.

وبالإضافة إلى ذلك... تشوه هذه الإعلانات البيئة، وتؤدي إلى التلوث البصري، وتنتهك المظهر الجمالي الذي تحرص مدن الدولة على الحفاظ عليه.

فإلى متى تبقى الظاهرة متفشية من دون رادع؟ وما هي الجهة المسؤولة عن التصدي لها واستئصالها بما يدرأ مخاطرها؟

أبوظبي- محمد مصطفى موسى