لا احد ينكر أن المعلم هو حجر الزاوية وأهم لبنات بناء المجتمع وتقويمه، لأنه إذا قلنا بان أطفالنا وشبابنا هم وقود المستقبل المشرق وأملنا في غد اعرق؛ فان المعلم من المفروض أن يكون بمثابة السفينة التي ستقل هذه الثروة الشبابية إلى مرسى الاحترافية والتأهيل والالتزام بإعدادهم وصقلهم على القيم والمثل والمبادئ.

فالطالب منذ نعومة أظفاره إلى ريعان شبابه جل أوقاته يقضيها مع المعلم، ولذلك فهذا الأخير يحل محل الوالد في مواقف ويلعب دور الإمام والعالم والمربي والصديق والدليل والناصح...

في مواقف أكثر، فعظمة دوره وسمو مكانته ورفعة مقامه لا يجادل فيها عاقلان وهنا لا نجد ما ندلل به على هذا أفضل مما جادت به قريحة أمير الشعراء احمد شوقي إذ يقول «قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا».

وعليه فما وصل إليه حال مجتمعاتنا اليوم من تفكك وانحراف تسببت فيه وبشكل كبير منظومتنا التربوية وعرابها الأول المعلم، لأنه إذا نظرنا إلى الأيام الخوالي حيث كان المعلم هرما وقامة قدم لنا شبابا مناضلا مقاوما مخلصا للوطن خلوقا نبيلا، إذ كانت له هيبته وهالته وهنا لا تكاد تخلو أحاديث من سبقونا من أجيال عما كان للأستاذ من حظوة لدى كل مرتاديه، فهو إذا تحدث صمت الجميع وإذا أمر أطاعه الكل مذعنا.

وكم كانت دهشتي كبيرة عندما كان البعض يخبرنا بأنهم لم يكونوا يعرفوا ملامح معلميهم جيدا من فرط الحياء وعظيم الخجل الذي كان يمنعهم من النظر مباشرة أو التحديق في وجه معلميهم.

أما اليوم وللأسف فقد انقلبت الصورة بشكل دراماتيكي إذ نزع الكثير من المعلمين عباءة الوقار والاحترام وركبوا موجة التسيب والإهمال، فأروقة المحاكم وأحاديث الناس أصبحت تعج بمغامراتهم. فهذا هتك عرضا وآخر احترف النصب وآخر فقأ عين احد تلامذته وآخر وآخر..!

فغدت هذه المهنة النبيلة متاحة لكل من هب ودب وفقدت من بريقها الكثير، وهنا تبدو مسؤولية المجتمع كبيرة ومسؤولية الدولة اكبر إذ نجد مناصب ومهناً مثل (الشرطة والجيش وحتى وظائف في البلدية وهيئة الاتصالات يحظى منتسبوها بوجاهة ومكانة ويخضعون إلى شروط وفحص قبل القبول حتى وان سلمنا بحيوية هذه القطاعات) في حين باتت وظيفة التعليم مهنة من لا مهنة له وأصبحت ميدانا منفرا للكفاءات والمهارات بدعوى أن المجتمع غدا يرمق المعلم بنظرات ملؤها الشك والريبة. ختاما نحن بحاجة ماسة لمعلم يكون خلوقا أمينا مؤمنا بقيم مجتمعنا محبا لتقاليده، يحارب الرذيلة ويغرس روح الفضيلة في شبابنا قبل أن يحارب الجهل والأمية.

عبدالرزاق علي ـ الإمارات