لا تزال بريطانيا تجتر الكثير من الذكريات من معاركها التاريخية. من أبرز تلك المعارك معركة «الطرف الأغر» التي يسميها البعض معركة «طرف الغار» نسبة إلى قرب موقع حدوثها من منطقة رأس طرف الغار قرب قادش بجنوب غرب أسبانيا. وأيا كان اسم المعركة فقد تواجه خلالها الأسطولان الفرنسي والإسباني بقيادة الأدميرال الفرنسي بيير شارلز فيلنوف، في جانب، ضد الأسطول البريطاني في الجانب الآخر، بقيادة الأدميرال هوراشيو نيلسون، في 21 أكتوبر 1805، وانتهت بانتصار البريطانيين. ولذلك كانت هذه المعركة ولا تزال مصدر فخر كبير للبريطانيين منذ ذلك الحين وحتى الآن.

أحد مظاهر الفخر كشف عنها، أخيرا، من خلال رسالة بعث بها أحد المشاركين في تلك الحرب إلى شقيقه فور انتهائها، وظلت أسرتهما تتوارثها عبر الأجيال. فقبل أيام من الذكرى الـ 205 لنلك الحرب، ظهر إلى العلن أحد خطابات شاهد عيان على الحرب، وكان بحارا عاديا، شاهد بنفسه التاريخ وهو يكتب سطرا بسطر، بل شارك في كتابته، وسط دخان المدافع، وحرارة النيران، ورائحة العفن داخل السفن.

كتب ذلك البحار، ويدعى روبرت هوب، مفتخرا يقول: «كيف ترانا الآن نحن رجال البحر. . . أعتقد أنهم (الفرنسيون) لن يرسلوا أساطيلهم ليهاجمونا مرة أخرى من دون تفكير».

كتب البحار الذي كان عمره آنذاك 28 عاما رسالته من على ظهر السفينة «تيميرير»، التي كانت في قلب المعركة إلى أخيه جون الذي كان يقيم في أشفورد بمنطقة كنت، متمنيا له أن تصله رسالته تلك وهو في صحة جيدة، وحامدا الله على ما هو فيه في تلك اللحظات.

وعلى الرغم من احتفاظ المتحف البحري الوطني البريطاني بالكثير من المأثورات عن انتصار الأدميرال نيلسون وموته في المعركة في أرشيفاته في جرينووتش، فإن الرسالة تمثل صوتا مختلفا من أدنى رتب البحرية، حيث غالبا ما تردنا أخبار الحروب على ألسنة الضباط الكبار. ولهذا حرص المتحف على اقتنائها ودفع مقابل ذلك مبلغا كبيرا لعائلة كاتبها.

ويصف البحار هوب كيف أن سفينته هاجمت السفينة الأسبانية ذات الطبقات الأربع «سانتا ترينادادا» بمساعدة سفينة القيادة الخاصة بالأدميرال نيلسون، الملقبة باسم «سفينة النصر»، قبل أن تتعرض لعاصفة من نار وتحيط بها السفن الفرنسية.

يقول هوب في رسالته: «عندما حاصرتنا خمس أخرى من سفن العدو وأحاطت بنا من كل الجهات، لمدة ساعة و16 دقيقة، أصبنا إحداها، لكن كثافة القتال لم تمكننا من السيطرة عليها في ذلك الوقت، وبدا أن اثنتين من تلك السفن كانتا قانعتين بما حققتاه أمامنا، وخرجتا من المعركة، لكن السفينتين الأخريين كانتا مصممتين على الاستيلاء على سفينتنا.

ونتيجة لذلك، نزل جنود إحدى السفينتين على أحد جانبي سفينتنا، بينما هبط جنود السفينة الأخرى على الجانب الآخر. وصبوا علينا نيرانهم لبعض الوقت. لكننا سرعان ما تغلبنا عليهم وسط كثافة الدخان المتصاعد، حيث صعد رجال طبقاتنا العليا على السفينتين وسيطروا عليهما، وحققنا انتصارا كبيرا وكاملا.

ويقول مسؤول التاريخ البحري في المتحف كينتين كولفيل إن من الواضح أن ذلك البحار كان ذا تعليم رفيع، وكتب الرسالة بأسلوب راق وواضح، مما يغير الصورة النمطية عن البحارة الصغار والتي تدور حول كونهم يتسمون بالخسة والجهل.

ويضيف كولفيل ان من الواضح أن البحار الذي كان مهمته الأساسية صناعة أشرعة السفينة، انضم خلال المعركة إلى فريق المدفعية، حيث يقول:» كانت منصة المدفعية مكانا مثيرا للغثيان، ومرعبا، ويصيب بالصمم، وخطيرا للغاية، بينما كانت شظايا ضخمة تتطاير من حولنا. لم تكن الشظايا من تلك التي يمكن وضعها تحت الأظافر، ولكنها كانت عبارة عن قطع خشبية بطول قدمين، يمكنها انتزاع أحشاء الرجال.

ولا يستغرب كولفيل أن هوب لا يذكر في رسالته المأساة التي تخللت المعركة، وهي مقتل الأدميرال نيلسون، مشيرا إلى أن بحارا مثل هوب كان يتقوقع في عالمه الخاص، الذي لا يتعدى سفينته وربما أعضاء الطاقم المحيط به مباشرة.

عصام بيومي