أجمع الكثير من العلماء والفلاسفة منذ الأزل، مثل أرسطو وكونفوشيوس وداروين، على اعتبار أن القيم الأخلاقية ترتبط بالكائنات الحية الراقية مثل الإنسان، لكنهم ظلوا حتى وقت عاجزين عن توضيح كيفية تشكل الأخلاق في الدماغ البشري، وقدم علماء البيولوجيا، المؤمنين بمسألة التطور، رسوماً ونماذج تخيلية لتوضيح العملية، لكن زمام المهمة تسلمهما علماء الأعصاب، الذين تمكنوا من رصد أول إشارات دماغية تعكس سمة سلوكية طيبة، ألا وهي سمة الإيثار.

وعلى ما يبدو فإن الأخلاق تتشكل عبر مجموعة من العمليات الدماغية المتداخلة، وهي العمليات التي تتعلق بالرعاية، وتحديداً رعاية الأطفال، والتعرف على حالات الآخرين النفسية، وحل المشكلات في إطار اجتماعي، مثل كيفية توزيع أرزاق رغم شحها على مجموعة كبيرة من الناس أو حماية القبيلة، وكذلك عمليات التعلم الاجتماعي عن طريق التعزيز الإيجابي والسلبي، والتقليد، والاستنباط، والقياس.

هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى ظهور ما نسميه الضمير، وما يميل علماء الاجتماع والأعصاب إلى تعريفه بأنه مجموعة من ردود الأفعال المقبولة أخلاقياً على الأحداث الخارجية النمطية.

وتعتمد القيم الاجتماعية على تطور الدارات الكهربائية العصبية المتعلقة بالبقاء، ففي كل الثدييات، نجد أن دارات جذع الدماغ الكهربائية العصبية مسؤولة عن حفظ مستوى المتغيرات الأساسية في أجسام الكائنات الحية، مثل درجة الحرارة وثاني أكسيد الكربون والغلوكوز ضمن النطاق الطبيعي، ومن أجل حفظ هذا التوازن فإن الدماغ يوظف آليات تحفيز مختلفة، مثل الألم والغضب والجوع والعطش والخوف، بالإضافة إلى التحفيز نحو الملذات، مثل الطعام والأمن والجنس، وخلافه.

ويرى العلماء المقتنعون بفكرة التطور أنه مع تطور أدمغة الثدييات بدأت عمليات التوازن في الدماغ المسؤولة عن البقاء بالتوسع، لتصبح أكثر إدراكاً للذات ومتطلباتها، وفي بعض المجتمعات، تطورت «الأنا» لتتعلق بالملكية ومتطلبات النفس المادية، ولتشمل الأقارب والأصدقاء وأفراد العشيرة الباقين، بحسب الظروف المصاحبة.

وسط هذا النشاط العصبي توجد مجموعة من سلاسل الأحماض الأمينية البدائية، ومنها هرمون «أكستوسين»، الذي يعمل كمرسل عصبي في الدماغ، ونظيره هرمون «فاسوبرسين»، بالإضافة إلى مجموعة من الهرمونات المسؤولة عن التكاثر، والمرسلات العصبية.

تقوم الأحماض الأمينية بتنظيم الدارات العصبية في الدماغ، وتحديداً في منطقة المهاد، وهو الجزء من الدماغ المسؤول عن النزعة التملكية لدى الأفراد. ولا يزال هناك الكثير لاكتشافه في هذا المجال، غير أنه على ما يبدو فإن هرمون «فاسوبرسين» مسؤول عن الرعاية العدائية، مثل ما يحدث في حالات الدفاع عن النفس، أما هرمون«أوكسيتيسين» فإنه يمنح صاحبه الثقة ويطرد شبح الخوف والتوتر.

وتدفع الثدييات ثمناً كبيراً لقاء اعتمادها عند الولادة على أمهاتها، لكن هذا الثمن لا يوازي ما تتمتع به الثدييات، وحدها دون الفصائل الحيوانية الأخرى، من قشرة دماغية، وهي الغلاف السميك المكون من ست طبقات ويغطي فصي الدماغ، ويربط أحدهما بالآخر.

ويرى العلماء كذلك أن القشرة الدماغية في الكائنات العليا، مثل الإنسان والقرود، تعزز لديها القدرة على التنبؤ بسلوكيات الآخرين، كما تساعدها على التعلم المجرد والقدرة على حل المشكلات، بالإضافة إلى أنها تمنحها المرونة والقدرة على التحكم في الدوافع المختلفة وممارسة المهارات الاجتماعية.

العلاقة التي تربط بين الدماغ والأخلاقيات معروفة منذ القدم، والأمثلة التي ساقها العلماء لأناس تعرضوا لإصابات في دماغهم، تغيرت على أثرها سلوكياتهم الأخلاقية، ومنها ما حدث لمراقب عمال، في القرن التاسع عشر، يدعى«فينياس غيج»، حيث تعرض لإصابة في دماغه، نتيجة انفجار في موقع العمل واصطدام قضيب من الحديد بقشرة الفص الجبهي لديه، وبعدها تحول الرجل من إنسان ذي مبادئ وأخلاق عالية، إلى إنسان مختلف تماماً، أناني ومنحرف أخلاقياً، ونفور من الاختلاط بالآخرين.

وتشير دراسة حديثة إلى أن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية، والذين يتصرفون بعدائية وبدون أدنى إحساس بالذنب، يختلفون عن الآخرين من الناحية الدماغية، وتحديداً في الأجزاء الدماغية المتعلقة بالسيطرة على النفس والإدراك الأخلاقي، وحتى أنماط النشاط الدماغي لدى الأشخاص الطبيعيين من الناحية النفسية، والذي يسجلون مستويات عالية من العدائية، فإنه يختلف مقارنة بالأشخاص الطبيعيين، وهذا قد يثير علامات استفهام كبيرة ومطالبات بإعادة النظر في النظم العدلية والقانونية على امتداد العالم.