لم تكن طائرات الهليكوبتر في الأعمال التلفزيونية الشهيرة، مثل «أير وولف» و«بلو ثندر»، مجرد آلات بلهاء تؤدي دوراً ثانوياً، بل كانت تلعب دوراً لا يقل أهمية وجاذبية لدى جمهور المشاهدين عن بطل العمل نفسه، خاصة أن المخرجين التلفزيونيين زودوها بملامح أسطورية، لكنها تقترب اليوم لتجسد بعضاً من تلك الملامح الأسطورية على أرض الواقع، حيث أصبحت قدرة بعض طائرات الهليكوبتر على الطيران بسرعة 500 كيلو متر في الساعة أمراً يمكن مشاهدته عياناً.
هذه الطائرات، التي لا تزال في مراحلها التجريبية، من إنتاج شركتي «سيكورسكي أيركرافت» الأميركية و«يوروكوبتر» الألمانية، وبفضل المراوح الإضافية التي تم تزويدها لتلك الطائرات، فإن قوة دفعها أصبحت أكبر بكثير من طائرات الهليكوبتر التقليدية، بسرعة من المتوقع أن تزيد بنسبة 60% خلال السنوات الخمس المقبلة.
هذه الطائرات المدنية من شأنها أن تقدم خدمات عظيمة في الحالات الطارئة، التي يتعرض لها العاملون في منصات النفط البحرية، أو في حوادث الطرق التي تستدعي النقل السريع للمستشفى، وتعتبر السرعة في هذه الحالة أساسية، وقد تكون عاملاً حاسماً في إنقاذ حياة المصابين، بخلاف ما هي عليه الحال في طائرات الهليكوبتر التقليدية، التي لا تستطيع الطيران بسرعة تتجاوز 300 كيلو متر في الساعة.
غير أن تصميم طائرات هليكوبتر تسير بسرعات عالية يعتبر أمراً صعباً، فلا يكفي تعديل المحرك وزيادة الوقود للحصول على السرعة، إذ أنه بذلك يمكن تسريع المروحة الرئيسية في الهليكوبتر فقط، وبما أن تلك المروحة مسؤولة عن رفع الطائرة واندفاعها، فإن زيادة سرعة دورانها لتصبح أسرع من الصوت، سيؤدي إلى وقوع خلل وقت انطلاق الطائرة، لأن المروحة الخلفية، وبسبب عوامل ديناميكية هوائية، ستظل تعمل دون سرعة الصوت، وهذا التباين في السرعات بين المروحتين سيؤدي إلى خلل قاتل لحظة الإقلاع.
الحل، إذن، كان في أن تتم إضافة قوة دافعة للطائرة عبر وسائل أخرى، إما عن طريق مروحة إضافية أو محرك إضافي. وقد جربت شركة سيكورسكي فكرة المحرك الإضافي، بالتعاون مع وكالة «ناسا» للأبحاث الفضائية، في السبعينات من القرن الماضي، حيث صممت طائرة أسمتها «إكس إتش 59 أيه»، كانت تحتوي على محركين نفاثين، وكانت قادرة على الطيران بسرعة 400 كيلومتر في الساعة.
لكن عملية الانتقال من الطيران المروحي إلى الطيران النفاث كانت غاية في الصعوبة من الناحية الميكانيكية، كما أن استهلاكها للوقود كان كبيراً، بالإضافة إلى مستويات الاهتزاز العالية التي كانت الطائرة تعاني منها، ناهيك عن أن الطائرة كانت بحاجة لطيارين اثنين لقيادتها.
تمتاز طائرة «سيكورسكي»، المسماة «إكس 2»، بمستويات منخفضة من الاهتزاز، كما أنها لا تحتاج لأكثر من طيار واحد لقيادتها، ومن أجل توفير الوقود، فإن الطائرة تستخدم مروحة خلفية طاردة، بدلاً من المحركات الخلفية التقليدية التي تستهلك الكثير من الوقود.
من الصعوبات التي واجهت المهندسين في تصميمهم للطائرة الجديدة هو حاجتهم للتخلص من جهاز الدوران الذي يقوم بتدوير المروحة الخلفية، حتى يتسنى لعمود المحرك تحريك المروحة الخلفية، لكن هذا كان صعباً لأن الاستغناء عن جهاز تدوير المروحة الخلفية معناه أن تفقد الطائرة قدرتها على الدوران والمناورة.
وقد حلت سيكورسكي هذه المشكلة بتركيب مروحتين رئيسيتين على ظهر الطائرة تدور إحداهما بعكس اتجاه الأخرى بدلاً من مروحة واحدة، وهذا حقق للطائرة التوازن المطلوب، حيث أن كل مروحة تعمل على توازن حركة الأخرى، ولا تتعرض الطائرة بذلك لخطر الميلان.
بوجود المروحة والدفة فإن الهليكوبتر تميل لأن تشبه الطائرات العادية، لكنها تبقى هليكوبتر، لأن جهد الإقلاع يأتي عن طريق المراوح وجهاز تدويرها.
«سيكورسكي» اقتربت كثيراً من تحقيق الهدف، وهو الطيران بسرعة تتجاوز 500 كيلو متر في الساعة، ففي تجربة طيران أجريت، أخيراً، تمكنت «إكس 2» من تجاوز السرعة القياسية السابقة المسجلة باسم الطائرة «ويست لاند لينكس» في عام 1986، مؤذنة ببداية عهد جديد في عالم طائرات الهليكوبتر.
إعداد: يوسف جباعته
