ليست الإعاقة الحركية مشكلة في حد ذاتها طالما أن العقل مازال يقوم بواجباته، وطالما كان الشخص لا يزال يتمتع باللياقة التي كان عليها قبل الإعاقة، فهناك كثيرون من أصحاب الإعاقات قدموا العديد من الأفكار والمشروعات الناجحة ولم يتأثر عطاؤهم الشخصي والمعنوي بأي مشكلة جسمانية.. أيضاً هناك الكثيرون من الأسوياء الذين لا تنقصهم أية إمكانات من أي نوع، ولكنهم عجزوا عن تقديم أي شيء لا لأنفسهم ولا لغيرهم.
والعطاء في عالم ذوي الاحتياجات الخاصة لا يرتبط بنوع الإعاقة ولا بتاريخها ولا بأثرها الظاهري.. لكن المتعارف عليه لديهم أن العطاء لا توقفه الإعاقة، ولا تمنعه الإصابة.
والإعاقة الحركية لم تمنع سهام مسعود الرشيدي من الانطلاق إلى آفاق المنافسات العالمية في رياضات المعاقين، متحدية بذلك الأرقام السابقة المسجلة في مجال ألعاب القوى «ميدان»، واستطاعت من خلال التدريب الشاق والإخلاص في الأداء أن تحقق أحلامها الرياضية لنفسها وللإمارات.
تحديات كبيرة
وأم عبد الله كما تحب أن يناديها الزملاء والمدربون في نادي دبي للرياضات الخاصة، واجهت كما تقول تحديات كبيرة في الوصول إلى النجاح، ولكنها تتصور أن لكل منا لحظات قد يتوقف عندها، ولكن لا يجب أن تتراجع خطواته إلى الخلف، وقد يحزن أو يراجع حساباته، ولكن لا يجب أن تكون أحزانه عقبات تمنعه من الوصول إلى تحقيق أمنياته، وبصفة خاصة إذا ارتبطت الأمنيات بأهداف قومية كبيرة.
وتضرب أم عبد الله مثالاً على لحظات الحزن والتوقف عندما توفي زوجها، وكان أيضاً من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتقول أن الحزن لم يمنعها من مواصلة التدريب، لأنها تعرف أن هذه اللحظات القاسية لابد أن نضع أمامها ما يوازيها ويختلط معها، وعندما أصرت على استكمال المشوار وحدها كانت تستهدف توفير مثل أعلى لابنها يحتذي به ويكون دافعه نحو النجاح، وأرادت أن يفتخر ابنها بها كأم.
وقالت سهام إنها مرت بلحظات تكريم عديدة خلال مشوارها الرياضي، ولكنها تعتز بتكريم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، بعد فوزها بلقب الجندي المجهول في جائزة دبي للأداء الحكومي المتميز.
وتضيف أنها تعاني من إعاقة حركية ولكنها تعمل تماماً كالأصحاء، وهي موظفة بدالة في قسم الاتصالات بدائرة الأراضي والأملاك منذ عدة سنوات، وأتاح لها نادي دبي للرياضات الخاصة فرصة التدريب والتأهيل في مجال ألعاب القوى وهي الجلة، والقرص، والرمح مما ساعدها على تحقيق البطولات والمنافسة على الألقاب العالمية.
مسؤوليات متعددة
واستطاعت أم عبد الله تحقيق المعادلة الصعبة التي قد يعجز بعض الأصحاء عن تحقيقها، فعلى الرغم من ظروفها الاستثنائية وكرسيها المتحرك، وارتباطها بمسؤوليات وظيفية وأسرية، إلا أنها نجحت في تحويل كل هذا إلى إيجابيات لا تعيقها ولا تعثر خطواتها، بل تدعمها وتدفعها إلى الأمام، وتقول أن السبب الأساسي في هذا النجاح منذ كانت طفلة صغيرة، هو اهتمام أسرتها بإدماجها مع أفراد المجتمع الأصحاء.
وحرصهم على تسليحها بالعلم والاستعداد البدني والمعنوي استعداداً لخوض حياة مليئة بالتحديات.وتؤكد أم عبد الله على أن المعاق هو الشخص الذي تعوقه طريقة حياته عن رسم طموحات محددة يسعى إلى تحقيقها، وهو الشخص الذي يسعى إلى تجاهل الملكات الذاتية التي أنعم الله عليه بها في أي مجال، سواء أكان في الرياضة أو غيرها، ولا يوجد إنسان على وجه الأرض بلا هدف أو طموح، ولكن تختلف طريقة كل منا في السعي إلى تحقيق طموحه.
وتضيف أنها اعتمدت على إعادة توزيع مهام الحياة على متطلباتها إن صح التعبير، أي أنها استعاضت بالأعضاء التي تعمل عن الأعضاء التي توقفت عن العمل، وأشارت إلى أن ردود فعل المحيطين بها على ما تحققه من نجاح، سواء أثناء التدريب أو المنافسات الفعلية يشجعها على المضي قدماً في تحقيق ما رسمته لنفسها من آمال وطموحات.
وعن مسؤولياتها كأم قالت سهام إن الأمومة شعور فطري لا يختلف بين الأم الصحيحة أو المعاقة، لأنها في الحالتين تؤدي متطلبات الدور على نحو تلقائي، أي تؤديه بالفطرة التي وضعها فيها الخالق سبحانه وتعالى، وتضيف أنها تحلم أن ترى ابنها يحصل على أرفع الشهادات ويتقلد أرفع المناصب، وترى أن رسالتها كأم تختلف عن رسالتها الرياضية، فالأمومة بالنسبة لها دور تؤديه طوال الأربع والعشرين ساعة، أما رسالتها الرياضية فهي جزء من عملها يتطلب مجهوداً ووقتاً محدداً.
برنامج يومي
وتنفي سهام الرشيدي اعتمادها على أي أحد في تربية ابنها، وتقول أن الأم هي أفضل من يتعرف على احتياجات الابن ومصالحه وما يفضله، كما أنها الأقرب على توجيهه نحو الطريق القويم، ولابد أن تقوم بنفسها بهذا الدور، فلا تعتمد على خادمة ولا على أحد من قريباتها، وتضيف أن الوقت يسمح لها بالقيام بكل ذلك لأنها تحسن تنظيمه والاستفادة منه على نحو جيد. وعن برنامجها اليومي قالت سهام:
بالنسبة لي فقد تغيرت تفاصيل الحياة اليومية وإن لم تتوقف، في الصباح أذهب كعادتي إلى الدوام في المكتب، وبعد الظهر أذهب إلى بعض المراكز التجارية بصحبة ابني وبعض أفراد الأسرة، ثم في المساء نجتمع حول التليفزيون أو الانترنت..
لابد أن نحول مواضع الضعف في حياتنا إلى مواضع قوة، والله يعطي الإنسان قوة بدنية ونفسية لكي يقوى على تحمل الاختبارات التي يضعه فيها، وأظن أن كل اختبار لابد وأن يكون على قدر القوة التي يملكها الإنسان، وهناك قابلية كبيرة على التكيف منحها الله كذلك للمخلوقات بشكل عام، وبني الإنسان بشكل خاص يعينه من خلالها على مجاراة الظروف التي تستجد عليه بدنياً ونفسياً.
وتضيف أنها بدأت التدريب على ألعاب القوى «القرص والرمح والجلة»، ووجدت التشجيع من المدربين التي تعاملت معهم ومن الإداريين الذين رأوا فيها إصرارا على تحقيق المستحيل، وعلى وجه الخصوص في نادي دبي للرياضات الخاصة، وبعد شهور من التدريب الجاد والمثابرة والعرق، استطاعت أن تشارك كمحترفة في البطولات المحلية ومنها إلى المنافسات الدولية، ولا تعتبر نفسها حققت الكثير في الوقت الحالي، ولكنها تستعد لمزيد من المعارك الرياضية خلال الفترة المقبلة.
اهتمام الدولة
وأشادت سهام الرشيدي باهتمام الدولة بفئة ذوي الاحتياجات الخاصة التي تنتمي إليها، وتقول أن هذه الفئة تستحوذ على اهتمام ورعاية الأجهزة المعنية، والدليل على ذلك تمهيد الأرصفة وتوفير مواقف السيارات المجانية، والحرص على إيجاد الوسائل الكفيلة براحتهم في المرافق المختلفة مثل مترو الأنفاق والباصات.
وتشير إلى وجود ممرات خاصة بالمكفوفين في محطات المترو تساعدهم على الوصول إلى الأرصفة والخروج منها من دون مساعدة من أحد، ما يعكس الرعاية التي يلقاها ذوو الاحتياجات الخاصة من الجهات الحكومية.
وتؤكد أن مقياس تحضر الدول هو مدى ما تقدمه من خدمات ومساعدات لذوي الاحتياجات الخاصة، وهذا الاهتمام هو البذرة التي تطرح حباً وانتماء لهذا الوطن، إذ يشعر ذوو الاحتياجات الخاصة بجهود المجتمع نحو إدماجهم في نسيجه، وبالتالي لا يدخر وسعاً في رد الجميل للوطن، ويختلف كل منهم في طريقة رد الجميل، ولكن يظل الدافع واحداً في كل الحالات.
وقالت أم عبد الله إن لقب فرسان الإرادة الذي تطلقه عليهم وسائل الإعلام لا تعرف من بدأ بإطلاقه على وجه الدقة، إلا أنها متأكدة من أنها إحدى الصحف التي تابعت أنشطة الفريق خلال تدريباته في تونس واستعداداته للمنافسات الدولية في الهند، وهو لقب يستحقه فريقها لأنهم تغلبوا بالفعل على إعاقاتهم، واستطاعوا تسجيل انتصاراتهم في سجل التاريخ بأحرف من نور.
رياضية ملتزمة بمواعيد التدريب
قال المدرب غلام رضا فهيمي المشرف على تدريبات سهام مسعود الرشيدي، إن هناك عددا من المقومات لابد أن تتوافر في البطل من فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، أهمها الملكة الإبداعية التي تدفعه للابتكار والحماس في أداء المطلوب منه على مستوى اللياقة، وضرب مثلاً بمعاق لا يتناول الأطعمة الدسمة ولا السكريات بإفراط، ولكنه في الوقت نفسه لا يتدرب سوى مرة واحدة أسبوعياً لأنه لا يملك الحماس لذلك، أو لانشغاله بأمور أخرى عن التدريب.
وعن سهام الرشيدي يقول أن السبب الأساسي في وصولها إلى هذه النجومية هي التزامها بمواعيد التدريب وأصوله والانتظام فيه، والالتزام حرفياً بتعليمات المدرب فيما يتعلق بالاستعدادات للمشاركة في المنافسات الدولية.
ويشير فهيمي إلى أن سهام مسعود اكتسبت خبرات كثيرة من خلال الاشتراك في العديد من المنافسات الدولية، ولديها طموحات كبيرة وكثيرة تدفعها إلى التفكير في الترقي إلى المستويات الأعلى في مجال لعبتها، ولكنها تعتمد بصورة أساسية على خبرات السابقين، كما أنها تحاول أن تثقف نفسها في مجالها ولديها دائماً من الوقت ما يسمح لها بمتابعة التدريب والقراءة ومطالعة الإنترنت، علاوة على وفائها بمتطلبات وظيفتها.
دبي - أيمن حجازي
