دراجة هوائية وسلة مثبتة فوق العجلة الخلفية، هي ابرز ما تتطلبه مهنة صاحب البقالة أو «راعي الدكان» باللهجة الشعبية المتداولة، يجوب بها عامل البقالة جميع أنحاء المنطقة السكنية لتوصيل طلبات الزبائن، ويعود مجددا إلى البقالة لتلقي الطلبات عبر الهاتف والانطلاق في رحلة جديدة لا تنتهي ولا تهدأ فيها الحركة المشبعة بالمواقف والحالات الطريفة.

محمد كوتي بقال في شعبية الوصل بدبي، يومه حافل بالنشاط والحركة، وساعات عمله ممتدة إلى منتصف الليل لتلبية احتياجات سكان الحي.

كشوفات الزبائن

يبدأ يومي في الساعة السابعة من صباح كل يوم وينتهي في الساعة الثانية عشرة ليلا، وأباشر في تلقي طلبات الناس الذين لا تهدأ مطالبهم صباحا ومساء، ناهيك عن استقبال الدفعات الجديدة من المواد الغذائية كالخبز الذي لا يستغني عنه الزبون كل يوم.

استقبل دفعتين تأتي احداهما صباحا والأخرى مساء لحرصنا على تقديم خبز طازج للزبائن الذين يرفضون في كثير من الأحوال شراء الخبز المعد أمس، جنبا إلى جنب مع تلقي دفعات من الحليب واللبن وكافة المواد الأخرى التي يكثر الطلب عليها بصفة يومية.

إضافة إلى الحلويات والفواكه والخضروات والوجبات الخفيفة، حيث نرصد كشفا بالمواد الناقصة نهاية العمل ليلا ليتم التواصل مع الشركات لتزويدنا بها في اليوم التالي وهكذا.

لا يقتصر عملي على هذه الأمور فقط بل يمتد ليشمل التدقيق على المواد الغذائية التي تحتويها البقالة، والاطلاع على تواريخ الصلاحية والانتهاء، إلى جانب رصد كشوفات الزبائن الذين يشترون «على الحساب» وتضمين كافة مشترياتهم وتوثيقها في سجل خاص بهم بهدف توصيلها لهم نهاية كل شهر.

استراحة

اعمل وزملائي الثلاثة في البقالة وجميعنا نتشارك في تقسيم وأداء العمل، أحظى خلال ساعات عملي الطويلة بفترة راحة لمدة 4 ساعات في وقت العصر ثم أعود لأمارس مهام وظيفتي عند الساعة السابعة مساء، وبالنسبة لي اعمل منذ 13 عاما في هذا المجال وفي المنطقة نفسها.

وهناك علاقات اجتماعية وثيقة تربطني بأهالي «الفريج» وأعرف أفراد الأسرة جميعا، وعلى الرغم من انتقال معظم الأهالي للسكن في مناطق جديدة وبعيدة، إلا أنهم لا يزالون يتواصلون معنا سواء بمرورهم على الحي «الفريج» الذي احتضن سنوات طويلة من حياتهم، أو الجلوس أمام البقالة والالتقاء بالأصحاب بالنسبة «للشباب» .

حيث تعد البقالة ملتقى شباب «الفريج»، ومنذ عملي في البقالة تعرفت على عادات الناس، وأدركت تفضيل الشباب الجلوس أمام ساحة البقالة لساعات طويلة يتسامرون فيها ويلتقون بأصدقائهم لتجاذب أطراف الحديث، وبالرغم من حميمية الجلسات وأهميتها للشباب، إلا أنها تسبب حرجا للمارة أو الزبائن.

فبعض الشباب مستهترون ويمارسون تصرفات طائشة تزعجنا وتزعج المارة، فالبقال لا يحظى بالاحترام من قبلهم بل يعتبرونه عاملا ينفذ طلباتهم فقط ولا يسمح له بالتدخل لوقف تصرفاتهم، وهذا لايعني عدم وجود الشباب المحترمين أبدا.

فهناك شباب ملتزمون وتمنعهم أخلاقهم وتربيتهم من القيام بالسلوكيات الخاطئة، ومع ذلك فإني اعتدت على التعامل مع كافة أصناف البشر وطبائعهم ولا أسعى للمشاكل، بل أركز في عملي الذي اكسبني احترام الأهالي وحبهم وعطفهم علي، فمنهم من يحرص على إرسال وجبات الطعام إلينا بصفة يومية.

غزو العزاب

لكن إذا بدا عمل البقال بسيطا لا يعني عدم وجود تحديات يواجهها، ومنها أهمية الوصول إلى حد معين في البيع استطيع من خلاله تحقيق الربح الذي يغطي إيجار المحل والمسكن، فانتقال معظم أهالي الحي خلف ركودا نسبيا في حركة البيع، فالمواطنون والوافدون الذين كانوا يقطنون في هذا المنطقة منذ سنوات طويلة كانوا أكثر تواصلا مع البقالة.

أما في الوقت الراهن ومع دخول الآسيويين إلى «الفريج» تغير الوضع وقلت الطلبات على اعتبار أن المنطقة أصبحت تضم العزاب بدلا من العائلات التي كانت جميع مستلزماتهم متوفرة في البقالة وتنفد سريعا، حيث أصبحت احتياجات أهل المنطقة محدودة وغير متنوعة بعكس السابق.

كما نحذر كثيرا في التعامل مع سكان المنطقة الجدد ولا نتبع معهم أسلوب توصيل الطلبات وعدم استلام النقود منهم، على اعتبار أن بقاءهم في المنطقة غير ثابت، فلا نقوم بتسليفهم خوفا من انتقالهم المفاجئ والذي ينعكس علينا سلبا في بيعهم بعض المنتجات دون مقابل، ما يعرضنا للخسارة في نهاية المطاف، ولكننا في المقابل نتعامل مع سكان المنطقة القدامى بثقة نظرا لسنوات التعارف الطويلة.

لافتة

أسهم ارتفاع إيجار الدكان في عجز البقالة عن تحقيق الفائدة المجزية، ولكني متفائل دائما وراض بما قسمه الله لي، وعلى الرغم من كافة الظروف التي تحيط بي، إلا أنني أحظى بصداقات وعلاقات اجتماعية كبيرة اكتسبتها خلال عملي في هذا المجال.

ومن أجمل المهام التي أقوم بها وأحافظ عليها في عملي، تحمل مسؤولية الرسائل البريدية التي يعتمد عليها عدد كبير من سكان المنطقة، فرقم بريد البقالة موزع على غالبية السكان، وهم يتسلمون الطرود البريدية من خلالنا وأغلبهم العمال أو الفئات المساعدة.

رصد ـ نادية إبراهيم